في واحدة من أكبر الضربات النوعية التي توجّه إلى اقتصاد الظل، أعلنت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية المصرية نجاحها في تفكيك شبكة مالية معقدة يقف خلفها عنصر إجرامي خطير، اشتهر بنشاطه الواسع في تجارة المواد المخدرة والأسلحة النارية غير المشروعة.
ولم تقتصر العملية على توقيف المتهم، بل امتدت إلى اقتفاء أثر ثروته الطائلة التي حاول إخفاء مصدرها الحقيقي خلف واجهة استثمارات ظاهرها مشروع.
ملاحقة الثروة بدل الملاحقة الجنائية التقليدية
تؤكد هذه العملية توجّهًا استراتيجيًا متصاعدًا لدى قطاع مكافحة جرائم الأموال العامة، يقوم على مبدأ «تجفيف المنابع» بدلًا من الاكتفاء بضبط المواد المهربة أو توقيف العناصر.
فالمنهج الجديد يهدف إلى ضرب البنية الاقتصادية للجماعات الإجرامية، إذ إن ملاحقة الأموال وحرمان المتهمين من عوائد نشاطهم غير المشروع تُعدّ عقوبة أكثر ردعًا من الحبس وحده.
ووفق هذا التوجه، عملت فرق التحريات على رسم «خريطة مالية» دقيقة للمشتبه به، رصدت من خلالها حركة أمواله بين الحسابات البنكية والاستثمارات العقارية والتجارية.
أساليب التمويه: من الشركات الوهمية إلى العقارات الفارهة
كشفت التحريات أن المتهم لجأ إلى أساليب «تبييض» متطورة نسبيًا، من بينها:
- تأسيس أنشطة تجارية وهمية أو مختلطة النشاط لتمرير الأموال وكأنها عوائد أعمال مشروعة.
- شراء العقارات والوحدات السكنية والفيلات وإعادة بيعها أو تأجيرها لاحقًا لإضفاء صبغة قانونية على الأرباح.
- اقتناء السيارات الفارهة والأصول القيّمة التي يسهل تحويلها إلى سيولة نقدية عند الحاجة.
- الاعتماد على الأسماء المستعارة أو الوسطاء لإخفاء الصلة المباشرة بين المالك الحقيقي والأصل المُشترى.
وتُعرف هذه الآلية في أدبيات مكافحة الجريمة المالية بأنها «غسل أموال قائم على الأصول»، وهو أسلوب يُصعّب التتبع لأنه يمزج الأموال غير المشروعة بالأموال النظيفة داخل الاقتصاد الرسمي.
150 مليون جنيه.
حجم الأموال المشتبه في تبييضها.
قدّرت الأجهزة الأمنية حجم الأموال التي حاول المتهم تبييضها بنحو 150 مليون جنيه مصري، وهو رقم يعكس حجم النشاط غير المشروع الذي كان يمارسه عبر سنوات.
وبالتنسيق بين قطاع مكافحة جرائم الأموال العامة والجهات الأمنية المختصة، جرى رصد هذه الثروات وتتبعها بدقة، ما أسقط محاولات إخفائها تدريجيًا.
وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهم، وتولت النيابة العامة التحقيق لاستكمال الإجراءات بحقه وبحق كل من يثبت تورطه في الشبكة.
الجرائم المالية: خطر يوازي الجريمة الأصلية
لا تقلّ جريمة غسل الأموال خطورة عن الجريمة الأصلية التي أنتجتها، سواء كانت الاتجار بالمخدرات أو الأسلحة أو غيرها.
فالغسل يمنح المجرم قدرة على التوسع وإعادة الاستثمار، ويُفقد الدولة موارد ضريبية ضخمة، ويهدد استقرار القطاع المالي والبنكي، ويفتح الباب أمام الفساد والاقتصاد الموازي.
ولذلك تُصنّف هذه الجرائم في كثير من التشريعات العربية كجرائم «مستقلة» تُعاقب عليها حتى لو تعذّر إثبات الجريمة الأصلية.
الإطار القانوني في مصر
يستند التصدي لهذه الجرائم إلى قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته، والذي يُلزم المؤسسات المالية وغير المالية بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وينشئ وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كجهة مركزية للرصد والتحليل.
كما تجرّم المادة 2 من القانون عمليات غسل الأموال بمختلف صورها: التحويل أو النقل، أو إخفاء المصدر الحقيقي للأموال، أو حيازتها أو استخدامها مع العلم بمصدرها غير المشروع.
مؤشرات على اتساع الظاهرة
ينظر الخبراء إلى تكرار مثل هذه العمليات باعتباره مؤشرًا مزدوجًا: من جهة يعكس تصاعد قدرة الأجهزة الأمنية على تتبع الأثر المالي، ومن جهة أخرى يكشف اتساع اقتصاد الظل المرتبط بجرائم المخدرات والسلاح.
ويُعدّ التعاون الدولي عبر تبادل المعلومات المالية وتبادل الأدلة مع الأجهزة النظيرة إحدى ركائز المواجهة، خصوصًا مع انتقال جزء من هذه الأموال إلى الخارج.
الدروس المستفادة
- ملاحقة الأموال تسهم في تجفيف منابع الجريمة أكثر من الاعتماد على العقوبات البدنية فقط.
- المزج بين الأصول المشروعة وغير المشروعة يجعل الكشف أصعب، ما يستدعي أدوات رقابية متقدمة.
- الإبلاغ عن العمليات المشبوهة من قِبل البنوك والشركات يشكل خط الدفاع الأول.
- التعاون الدولي ضروري لملاحقة الأموال المهربة أو المستثمرة خارج الحدود.
ويبقى الرهان قائمًا على استمرار هذه الضربات بما يحمي الاقتصاد الوطني ويُصعّب على تجار المخدرات والسلاح تحويل ثرواتهم إلى قوة اقتصادية مشروعة.

التعليقات