أكد الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الأسبق وأحد أبرز علماء الشريعة في العالم الإسلامي، أن الشريعة الإسلامية تُشكّل منظومة تشريعية متكاملة تستهدف تحقيق التوازن الدقيق بين الحقوق الفردية والمسؤوليات المجتمعية، مشددًا على أن النصوص الإسلامية جاءت لترسيخ قيم العدالة والتكافل الإنساني بين جميع أفراد المجتمع دون أي تفرقة أو تمييز.
الفلسفة التشريعية للإسلام في خدمة الإنسان
وأوضح شومان، خلال تصريحات صحفية حديثة، أن القواعد والتشريعات الإسلامية صُمّمت بعناية فائقة لتلبية احتياجات النفس البشرية مع الحفاظ على استقرار المجتمع وسلامته العامة.
وأشار إلى أن الشريعة لم تُهمل مصلحة الفرد لصالح الجماعة، كما لم تترك الحبل على الغارب للأفراد بما قد يضر بالمصلحة العامة، وهو ما جعلها نموذجًا فريدًا في التشريع يحقق السعادة والهناء للبشرية جمعاء.
مقاصد الشريعة ومرونة الاجتهاد
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم مقاصد الشريعة الإسلامية بوصفه الإطار الجامع الذي يمنح التشريع الإسلامي مرونته وقدرته على مواكبة المتغيرات.
وتحتل الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال مقدمة هذه المقاصد، وهي الكليات الخمس التي اتفق عليها الفقهاء وجعلوها أساسًا لاستنباط الأحكام.
ومن هذا المنطلق، تبقى الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، قادرة على تقديم حلول عملية للتحديات المستجدة دون التفريط في الثوابت أو تغييب روح النص ومقاصده.
الرحمة والتكافل كقواعد حاكمة للعلاقات المجتمعية
وشدّد المفكر الإسلامي على أن قيم الرحمة والتكافل الاجتماعي تحتل صدارة المبادئ التي يقوم عليها البناء التشريعي في الإسلام، لافتًا إلى أن هذه القيم ليست مجرد شعارات أخلاقية عابرة، بل هي التزامات عملية تضمن حقوق الضعفاء والمحتاجين، وتخلق مجتمعًا متماسكًا تسوده المحبة والتعاون، وتندثر فيه مظاهر القسوة والتهميش، وهو ما تحتاجه المجتمعات المعاصرة بشدة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
العدالة الاجتماعية وأثرها في استقرار المجتمعات
ويرى عدد من الباحثين أن تحقيق العدالة الاجتماعية يمثل حجر الزاوية في أي تشريع ناجح، إذ إن توزيع الحقوق والواجبات بصورة عادلة يحدّ من الفوارق الطبقية ويقلل من التوترات الاجتماعية.
ويضرب المثل في هذا الصدد بفريضة الزكاة، التي تُعدّ إحدى أهم الأدوات الاقتصادية في الإسلام، لما لها من دور مباشر في إعادة توزيع الثروة ودعم الفئات الأكثر احتياجًا وتحقيق نوع من التوازن في البنية الاقتصادية للمجتمع.
التكافل الاجتماعي في التطبيق العملي
ويتجلى التكافل الاجتماعي في المنظومة الإسلامية عبر منظومة متكاملة من الممارسات، منها الزكاة والصدقات والوقف وكفالة اليتيم ورعاية المسن، وهي أدوات عملية أسهمت في بناء شبكة اجتماعية متماسكة على مر التاريخ الإسلامي.
وقد أثبتت هذه الأدوات قدرتها على تخفيف حدة الفقر وتحقيق القدر الأدنى من الكرامة الإنسانية لمن هم في حاجة إليها، مما يجعلها مصدر إلهام للسياسات الاجتماعية الحديثة الساعية إلى تقليل الفجوات وتحقيق التنمية المستدامة.
خطاب الأزهر ومواجهة التحديات المعاصرة
ويأتي هذا الطرح في إطار الخطاب الوسطي الذي يتبناه الأزهر الشريف، الداعي إلى تجديد الخطاب الديني وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام بعيدًا عن الغلو أو التفريط.
ويؤكد علماء الأزهر أن إبراز المبادئ الإنسانية للتشريع الإسلامي يمثل خط الدفاع الأول أمام التطرف من جهة، وأمام محاولات تصوير الإسلام بأنه نموذج متخلف أو غير قادر على مواكبة العصر من جهة أخرى.
خلاصة
وفي المحصلة، تؤكد تصريحات وكيل الأزهر الأسبق أن التشريع الإسلامي ليس مجرد مجموعة من الأحكام الجامدة، بل هو مشروع نهضوي شامل يوازن بين الفرد والمجتمع، ويجعل الرحمة والعدل والتكافل قيمًا حاكمة للعلاقات الإنسانية.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى هذه المبادئ والاستفادة منها في معالجة القضايا الراهنة، لما فيها من حلول تنبع من صميم التجربة الإسلامية وتخاطب احتياجات الإنسان في كل زمان ومكان.

التعليقات