من أسرة تونسية بسيطة، انطلقت غفران عوجي في رحلة لم تكن سهلة على الإطلاق؛ فبعد تخرجها في كلية التمريض، قررت مغادرة تونس نحو ألمانيا بحثًا عن مستقبل أكثر استقرارًا.
لكن ما واجهته هناك كان مختلفًا تمامًا عن الصورة التي رسمتها في مخيلتها، إذ اصطدمت بتحديات نفسية ومهنية واجتماعية فرضتها الغربة وضرورة التأقلم مع بيئة جديدة.
الغربة في ألمانيا: اختبار قاسٍ في البدايات
شكّلت الإقامة في ألمانيا محطة فارقة في حياة غفران؛ فقد أدركت سريعًا أن الحياة في أوروبا ليست خالية من الصعوبات، وأن الوصول إلى استقرار مادي وبناء مستقبل حقيقي يتطلب جهدًا متواصلًا قد يمتد لسنوات.
ورغم قسوة البدايات، رفضت التوقف، وواصلت البحث عن فرصة تمنحها مساحة أوسع لتحقيق طموحاتها، بعيدًا عن حدود الوظيفة التقليدية التي لم تعد تكفيها.
نقطة التحول: دخول عالم التجارة الإلكترونية
جاء التغيير عندما تعرفت غفران، بمحض الصدفة، على مجال التجارة الإلكترونية عبر شركة My Lifestyle العالمية.
بدأت التجربة دون خبرة سابقة، ودون فريق عمل أو شبكة علاقات واسعة، معتمدة فقط على استعدادها للتعلم والعمل الجاد، وعلى إيمانها الراسخ بأن واقعها قابل للتغيير.
من الصفر إلى اكتساب مهارات البيع والقيادة
لم تكن البداية سهلة؛ فالانتقال من دراسة التمريض إلى مجال التسويق والمبيعات استلزم اكتساب مهارات جديدة، وبناء ثقة بالنفس، وتعلم التواصل مع أشخاص من ثقافات وجنسيات متعددة.
وأدركت غفران أن امتلاك الفرصة وحده لا يكفي، بل إن النتائج ترتبط بالقدرة على استثمارها، وتطوير المهارات باستمرار، والتعامل مع الأخطاء كخبرات يُبنى عليها.
وبدلًا من التراجع أمام العقبات، جعلت من كل تحدٍ خطوة نحو هدفها المهني.
إنجازات خلال عام واحد فقط
مع مرور الوقت، بدأت جهودها تنعكس على نتائجها داخل الشركة؛ فوصلت إلى المركز الأول في المبيعات داخل «My Lifestyle» خلال عام واحد من بدء تجربتها.
كما حصلت على رتبة «Emerald»، وكانت الأسرع وصولًا إليها داخل الشركة.
وتؤكد هذه النتائج حجم التحول الذي شهدته حياتها، إذ انتقلت في فترة قصيرة من شابة تبدأ تجربة مهنية بعيدًا عن وطنها، إلى شخصية تتولى دورًا قياديًا في بيئة عمل دولية تنافسية، بما اكتسبته من مهارات وما تحملته من مسؤوليات.
فريق متعدد الجنسيات… ونجاح يتجاوز الفرد
لم يقتصر مسار غفران على الإنجازات الفردية، بل امتد إلى بناء فريق عمل يضم مئات الأشخاص من جنسيات وخلفيات ثقافية مختلفة.
ومن خلال هذا الفريق، اتسع نطاق تجربتها لتشمل مشاركة الخبرات، ومساعدة الآخرين على اكتساب مهارات البيع والتواصل والقيادة، وتحفيزهم على تحقيق أهدافهم الشخصية والمهنية.
وقد انطلقت في ذلك من رؤية تربط النجاح بالقدرة على دعم الآخرين، وتحويل التجربة الفردية إلى مساحة للتعلم والتطور المشترك.
طموح يمتد إلى الشباب العربي
بعد ما حققته من نتائج، تتطلع غفران عوجي إلى توسيع نطاق تجربتها والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الشباب العربي، سواء المقيمين في أوروبا أو الموجودين في تونس ومختلف البلدان العربية.
ويتمثل طموحها في مساعدتهم على اكتشاف إمكاناتهم، وتعلم مهارات جديدة، والبحث عن فرص لبناء مستقبل مهني أفضل، في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتقوم رؤيتها على قناعة واضحة: الظروف الصعبة ليست نهاية الطموح، والبدايات المتواضعة لا تحدد سقف الإنجازات الممكنة.
لذلك تسعى إلى أن يكون نجاحها نقطة انطلاق لتجارب أخرى، عبر تشجيع الشباب على التعلم المستمر والانضباط والعمل الجاد، وتطوير قدرتهم على التعامل مع المتغيرات المهنية.
قصة تونسية بطموح دولي
بين تونس التي شهدت نشأتها، وألمانيا التي اختبرت فيها صعوبات الغربة، والتجارة الإلكترونية التي منحتها اتجاهًا مهنيًا جديدًا، رسمت غفران عوجي لنفسها مسارًا يجمع بين الطموح الشخصي والعمل مع الآخرين.
وقصتها، في جانبها الإنساني، تتجاوز مجرد تحقيق مبيعات أو الوصول إلى رتبة داخل شركة؛ فهي تعكس تجربة شابة قررت مواصلة البحث والتعلم، وألّا تسمح لظروف البداية بأن تكون حدودًا ثابتة لمستقبلها.
وفي وقت يبحث فيه كثير من الشباب العربي عن فرص لتطوير حياتهم، تحمل تجربة غفران رسالة مفادها أن بناء المستقبل عملية متواصلة تحتاج إلى مثابرة، واكتساب مهارات، وقدرة على التعلم من الصعوبات.
وهي تواصل اليوم كتابة فصول رحلتها، من شابة تونسية حملت أحلامها إلى الغربة، إلى قائدة شابة تطمح إلى توسيع أثر تجربتها ومساعدة الآخرين على شق طريقهم نحو أهدافهم المهنية.

التعليقات