التخطي إلى المحتوى

في ظل تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية للبنان، خرجت القيادة السياسية في بيروت بموقف رسمي حاسم يقطع الطريق أمام تكهنات سابقة، مؤكدة على ضرورة استمرار مهام حفظ السلام الدولية دون أي تراجع أو تقليص لدورها الحيوي في المنطقة المشتعلة.

يأتي هذا الموقف في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع فيه الضغوط الإقليمية والدولية مع مخاوف داخلية من انزلاق الأوضاع الأمنية نحو سيناريوهات غير محسوبة.

رسائل لبنانية حاسمة بشأن استقرار الجنوب

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد جوزيف عون، خلال تصريحات رسمية، تمسك بلاده المطلق ببقاء قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان والمعروفة بـ “اليونيفيل”.

وشدد الرئيس على الدور المحوري الذي تلعبه هذه القوات منذ لحظة انتشارها وحتى اليوم، مشيراً إلى التضحيات الجليلة التي قدمها أفراد البعثة الدولية من أجل الحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع نحو الأسوأ في هذه البقعة الحساسة من الشرق الأوسط.

ما هي اليونيفيل ولماذا تثير الجدل؟

تأسست قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL) عام 1978 بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، عقب الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، لتتحول لاحقاً إلى قوة موسعة بموجب القرار 1701 الصادر عام 2006 بعد حرب تموز.

ويضم التشكيل الحالي نحو عشرة آلاف جندي من أكثر من أربعين دولة، وتتوزع مهامها بين مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم القوات المسلحة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، والمساعدة في إعادة إعمار القرى المتضررة وتأمين معابر المياه على طول الخط الأزرق.

وتُعد اليونيفيل اليوم من أقدم وأكبر بعثات حفظ السلام في تاريخ الأمم المتحدة، وأحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها الاستقرار الهش جنوب نهر الليطاني، حيث تعمل كحلقة وصل بين الأطراف المتنازعة وتمنع الاحتكاك المباشر على طول الحدود.

تحذيرات مبطنة من تداعيات الفراغ الأمني

ولم يكتفِ الرئيس اللبناني بإعلان التمسك بالبعثة الأممية فحسب، بل وجه تحذيرات شديدة اللهجة من التداعيات الكارثية المحتملة لأي قرار مفاجئ يقضي بانسحاب قوات اليونيفيل من الجنوب.

وأوضح أن غياب هذا الغطاء الدولي قد يخلق فراغاً أمنياً خطيراً، مما يضاعف من حدة التوترات ويهدد الهدنة الهشة أصلاً، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود الإقليمية والدولية لدعم مهام البعثة وتأمين بيئة عمل آمنة لعناصرها.

سياق إقليمي متوتر

تأتي هذه المواقف في وقت يشهد فيه الجنوب اللبناني تصعيداً متبادلاً وخرقاً متكرراً لوقف الأعمال العدائية، وسط مناقشات دولية حساسة حول مستقبل البعثة ومدة ولايتها وموازنتها والحاجة إلى تحديث التفويض ليمنحها دوراً أكبر في دعم انتشار الجيش اللبناني جنوباً.

وقد برزت في الآونة الأخيرة أصوات تضغط باتجاه تقليص عدد العناصر أو إعادة تعريف المهام، وهو ما يقابله تمسك لبناني بضرورة إبقاء الوضع على ما هو عليه نظراً إلى أن أي تعديل في هذه المعادلة قد ينعكس فوراً على توازن القوى الميداني.

كما تحتل دولٌ فاعلة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة مكانة بارزة في هذه المعادلات، بالإضافة إلى الدول المُسهمة بقوات على الأرض.

ماذا يعني الانسحاب بالنسبة للبنان والمنطقة؟

يرى خبراء الأمن والاستراتيجية أن انسحاب اليونيفيل، أو حتى تقليص حجمها، قد يفتح الباب أمام ثلاثة مخاطر رئيسية على الأقل:

  • انكشاف الخط الأزرق: وتراجع القدرة على ضبط الخروقات اليومية ومنع الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
  • إضعاف الجيش اللبناني: الذي يعتمد على الدعم اللوجستي والتدريب والتنسيق مع البعثة الدولية في مهامه الجنوبية.
  • تدويل الأزمة: حيث قد تدفع الفراغات الميدانية القوى الإقليمية إلى ملء النفوذ بشكل مباشر، مما يحوّل الجنوب إلى ساحة صراع بالنقطة.

خلاصة

يبقى السؤال الأهم حول قدرة بيروت على تحويل هذا الموقف الرسمي إلى موقف دولي متماسك من الملف اللبناني بشكل عام.

فالحفاظ على اليونيفيل ليس مجرد مسألة عسكرية، بل هو في جوهره رهان على إمكانية حماية الهدنة ومنع توسع رقعة الصراع في منطقة يحكمها حضور أطراف متعددة، ويظل استمرارها اليوم اختباراً حقيقياً لجدية المجتمع الدولي في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *