لم يعد مشهد الجريمة في مصر كما كان عليه قبل عقد من الزمن؛ فبينما كانت العصابات تعتمد على القوة المباشرة والأساليب الميدانية التقليدية، أصبحت اليوم تعمل من خلف الشاشات، مستعينة بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة لتنفيذ جرائمها.
هذا التحول الجذري أفرز واقعاً أمنياً جديداً يفرض على الأجهزة المعنية إعادة رسم استراتيجياتها بالكامل.
من الشارع إلى الفضاء الرقمي: تحوّل في خريطة الجريمة
كشف اللواء منتصر عويضة، مساعد وزير الداخلية للشرطة المتخصصة سابقاً، أن العالم شهد في السنوات الأخيرة قفزات هائلة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولم يقتصر أثرها على تسهيل حياة الإنسان، بل امتد ليتغلغل في أساليب ارتكاب الجرائم، مما فرض تحديات غير مسبوقة على الأجهزة الأمنية في مصر والعالم.
وأوضح الخبير الأمني أن العصابات والمجرمين تخلّوا عن الأساليب التقليدية المعهودة، واتجهوا نحو استغلال التقنيات الرقمية الحديثة لارتكاب جرائم عابرة للحدود، بأقل مجهود ممكن ومن مسافات بعيدة، دون الحاجة إلى التواجد المادي في مسرح الجريمة.
أبرز صور الجرائم المستحدثة
تشمل الجرائم الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا مجموعة من الأنماط المتطورة، من بينها:
- التزييف العميق (Deepfake): استخدام الذكاء الاصطناعي لتزييف الفيديو والصوت بهدف انتحال شخصية المسؤولين أو الأقارب لطلب أموال أو بيانات حساسة.
- التصيّد الإلكتروني المتقدم: رسائل ومواقع مزيفة تحاكي المؤسسات الرسمية لسحب بيانات البطاقات البنكية.
- الاحتيال عبر العملات الرقمية: إغراء الضحايا باستثمارات وهمية سريعة الربح قبل الاختفاء بمدفوعاتهم.
- اختراق الحسابات والبيانات: سرقة الهويات الرقمية واستغلالها في جرائم مالية أو تشهير.
- الجرائم العابرة للحدود: عمليات تُدار من خارج مصر بينما تعيش ضحاياها داخلها، مما يعقّد الملاحقة القانونية.
تحديات المواجهة الأمنية
أضاف عويضة أن هذه الجرائم غير التقليدية باتت تشكّل ضغطاً كبيراً على قطاعات إنفاذ القانون، مما يستلزم مواكبة أمنية مستمرة وتطويراً دائماً لمهارات الكوادر الشرطية.
كما شدّد على أهمية رفع الوعي المجتمعي لدى المواطنين للوقاية من الوقوع ضحايا لأساليب النصب والاحتيال الرقمي التي تتجدد يوماً بعد يوم.
وفي هذا الإطار، يتطلب التعامل مع الجرائم الرقمية تنسيقاً دولياً متزايداً، وتبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية في مختلف الدول، إلى جانب تحديث التشريعات القانونية لتواكب سرعة تطور هذه الجرائم.
كيف تحمي نفسك؟
- لا تشارك بياناتك البنكية أو الشخصية عبر رسائل أو مكالمات غير موثوقة.
- تحقق دائماً من هوية المتصل أو المرسل قبل اتخاذ أي إجراء مالي.
- استخدم كلمات مرور قوية وفعّل المصادقة الثنائية على حساباتك.
- توخَّ الحذر من عروض الاستثمار السريعة أو الأرباح المضمونة.
- الإبلاغ الفوري عن أي محاولة احتيال للجهات المختصة.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الأجهزة الأمنية في اللحاق بسرعة تطور المجرمين الرقميين، أم أن الفجوة التقنية ستتسع بين الجانبين؟

التعليقات