انطلقت فعاليات الملتقى الرابع عشر لمجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد المجالس المنبثقة عن الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، تحت رعاية جامعة سيناء.
وقد شهد الملتقى مشاركة بارزة للدكتور عبدالوهاب غنيم، مستشار كلية كامبريدج الدولية البريطانية وعضو مجلس إدارة المجلس، إلى جانب الدكتور محمد سعيد حسب النبي، مدير إدارة الجودة بجامعة MSA، الذي قدّم ورقة عمل محورية نالت اهتمام الحضور.
محور الورقة: تقنيات ما بعد الإنسانية وتأثيرها على القيم
ركّزت ورقة العمل على التحولات القيمية والأخلاقية الخطيرة التي تفرضها تقنيات «عصر ما بعد الإنسانية» على منظومة القيم الأسرية والمجتمعية، في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وتقنيات النانو والتكنولوجيا الحيوية.
وقد استهلّت الورقة بتأطير مفهوم «ما بعد الإنسانية» باعتباره حركة فكرية وثقافية تسعى إلى تجاوز الحدود التقليدية للبشرية عبر أدوات تقنية متقدمة تهدف إلى القضاء على الشيخوخة وتعزيز القدرات البدنية والفكرية.
وانتقلت الورقة بعد ذلك لاستعراض نماذج عملية واقعية تعكس هذه التحولات القيمية المتسارعة، مثل الاستعانة بروبوتات لأداء المهام الأسرية، وإدارة المدارس بمديرة افتراضية في بعض مدارس بريطانيا، والمعلم الروبوت في تجارب كوريا الجنوبية، فضلًا عمّا نُشر عن منح الروبوت «صوفيا» الجنسية السعودية عام 2017.
الخصوصية تحت وطأة الخوارزميات
وفي صلب التحولات القيمية العميقة، تجلّت قيمة الخصوصية كواحدة من أكثر القيم تأثرًا واستباحةً في عصر ما بعد الإنسانية؛ إذ تحوّلت الحياة الشخصية والأسرية من فضاء مغلق يحميه الستر والقدسية إلى سلعة رقمية مستباحة تتقاذفها خوارزميات المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأصبح الهوس بالظهور، والمشاركة المفرطة لتفاصيل الحياة اليومية، وتتبع المؤثرين والخطاب الرقمي الموجّه، بمثابة تفكيك مدروس لأسوار الخصوصية الأسرية.
وبدلًا من أن تكون البيئة المنزلية حاضنة للأمان النفسي والمعنوي، باتت ممثلة لبيئة مكشوفة تفقد فيها العائلات تدريجيًا حدودها الحميمية، مما استدعى طرح إشكاليات عظمى حول حماية البيانات الشخصية والأخلاقية في مواجهة هذا التغوّل التقني المتسارع.
وقد أثار ذلك نقاشات واسعة حول ضرورة سنّ تشريعات تحمي بيانات الأسرة وتفرض رقابة أخلاقية على المنصات الرقمية، إضافة إلى إطلاق برامج توعية للأسر بمخاطر الإفراط في النشر والمشاركة.
انحسار الانتماء الحقيقي أمام الانتماءات الافتراضية
وعلى الصعيد ذاته، طال التحول الجذري قيمة الانتماء؛ حيث انتقل الإنسان من الانتماء العضوي الحقيقي المتجذّر في العلاقات الإنسانية والأسرية والبيئة الاجتماعية الواقعية كالأصدقاء والأسرة والترابط المجتمعي الأصيل، إلى انتماءات افتراضية هشّة ومصطنعة تفرزها الآلة والتطبيقات.
وتجسّد هذا التحول في تفضيل الأفراد —لا سيما الأجيال الناشئة— للتفاعل مع الشاشات والرفقاء الآليين والبيئات الافتراضية بدلًا من الروابط الوجدانية العائلية، مما أدى إلى تآكل مفهوم الرابطة الاجتماعية الحقيقية وخلق أجيال تعاني من اغتراب فكري وعاطفي داخل الأسرة الواحدة.
ويُفسّر علماء الاجتماع هذه الظاهرة بأنها ناتجة عن التصميم المحكم للتطبيقات الرقمية التي تستهدف إدمان المستخدم وإطالة وقت تفاعله، وهو ما يقلّص بالتالي من مساحة التواصل الأسري المباشر، ويستبدل بالحوار العائلي لغة الإشعارات والرسائل السريعة.
استطلاع دولي: 85% يؤكدون سرعة تغيّر القيم
وقد عُزّزت هذه الطروحات بنتائج استطلاع رأي شمل خبراء في 30 تخصصًا عبر 14 دولة، حيث أجمع 85% منهم على سرعة تغيّر القيم، لا سيما الاجتماعية والأخلاقية، وتفاوتت آراؤهم حول إمكانية اكتساب الآلة للوعي بين مؤيد بنسبة 50% ومعارض بنسبة 45%، و5% لم يستطيعوا تحديد توقعاتهم.
كما ناقشت الورقة مستويات الوعي، والتمييز بين الكائن الحي والآلة، مفرّقةً بين الوعي الإدراكي والذاتي والخلقي، لتأكيد غياب الوعي الذاتي والخلقي عن الأنظمة التقنية.
فبينما تستطيع الآلة معالجة المعلومات واستيعاب الأنماط وتوليد استجابات ذكية، فإنها تبقى عاجزة عن الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية أو إدراك معنى الوجود والغاية، وهو ما يمثل فارقًا جوهريًا يحمي القيم الإنسانية من الالتباس مع الأداء التقني.
توصيات لحماية الأسرة
وفي ختام الطرح، قُدّمت حزمة من الرؤى والتوصيات الهادفة إلى حماية الأسرة، شملت: تعزيز الخصوصية وحرمة الحياة الأسرية والحد من النشر المفرط على منصات التواصل، وتفعيل دور الفن والأدب والتربية الإعلامية والوالدية الرشيدة.
كما أوصت الورقة بدمج التربية الرقمية داخل المناهج التعليمية، وبناء أطر تشريعية واضحة لمسؤولية المنصات الرقمية تجاه المحتوى الموجه للأسرة.
وقد أكدت النتائج أن التحول القيمي في عصر ما بعد الإنسانية يمثل تهديدًا حقيقيًا للأخلاق تحت شعار تحرير الإنسانية، مما يستوجب تضافر الجهود لصناعة الوعي الأسري والترشيد الرقمي المنشود، مع إبراز دور المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية في تحصين منظومة القيم ومواجهة الانحدار الأخلاقي المرتبط بالتوسع التقني غير المنضبط.

التعليقات