في حي شعبي عريق من أحياء القاهرة، تحوّل مساء هادئ إلى مشهد من الفوضى والحزن خلال ثوانٍ.
ففي منطقة حدائق القبة، لا يزال سباق محموم مع الزمن جارياً منذ اللحظات الأولى لانهيار عقار سكني بشكل مفاجئ، أسفر عن احتجاز 4 أشخاص تحت الأنقاض، من بينهم طفلان، فيما تكثف قوات الحماية المدنية جهودها على مدار الساعة في محاولة يائسة لكنها مصممة على انتشالهم أحياء.
كيف بدأ الانهيار؟ لحظة الرعب الأولى
تشير المعطيات الأولية إلى أن العقار تعرّض لما يُعرف في الهندسة المدنية بـ«الانهيار الممتص» أو الانخساف الداخلي، وهو نوع خطير من الانهيارات يحدث عندما تفقد الطبقات السفلية من المبنى قدرتها على التحمل، فتنهار الأدوار العليا عمودياً نحو الداخل بدل الميل جانبياً.
هذا النمط من الانهيار يجعل ملامح المبنى الأصلي تختفي تحت كومة ضخمة من الركام والحطام، ما يزيد بشدة من تعقيد عمليات البحث وصعوبة تحديد مواقع المحتجزين.
وفق الشهادات الأولية، دوّى صوت هائل أشبه بالانفجار، أعقبه سحابة كثيفة من الغبار غطّت الحارة بأكملها، وخرج السكان إلى الشوارع في حالة من الذعر والفزع، يبحثون عن ذويهم وسط أنقاض لم يتبقَّ منها سوى طبقات متراكمة من الطوب والخرسانة المسلحة.
استجابة فورية.
فرق الإنقاذ تصل في الدقائق الأولى.
لم يتأخر رد الفعل الرسمي؛ إذ تلقّت غرفة عمليات النجدة بلاغاً عاجلاً من الأهالي فور وقوع الحادث، وتحركت على الفور قوة أمنية من مديرية أمن القاهرة مصحوبة بسيارات الإسعاف ورجالها، إلى جانب أعداد كبيرة من معدات الحماية المدنية الثقيلة، التي وصلت إلى موقع الحادث خلال دقائق، لتعلن بدء عملية إنقاذ بالغة الحساسية والدقة.
ولم تقتصر الاستجابة على الجانب الميداني فقط، بل امتدت إلى إجراءات تأمين شاملة: تطويق المنطقة لمنع اقتراب الفضوليين، وقطع التيار عن المباني المجاورة كإجراء احترازي، وإخلاء بعض المنازل المتاخمة التي قد تكون عرضة لاهتزازات أو تصدعات نتيجة أعمال رفع الحطام.
تقنيات البحث عن الناجين تحت الأنقاض
تعتمد فرق الإنقاذ البري في مثل هذه الحوادث على منظومة متكاملة من التقنيات الحديثة والكلاب المدربة، ومن أبرزها:
- أجهزة الرادار المخترق للأرض: التي ترسل موجات كهرومغناطيسية لاكتشاف حركة التنفس أو نبضات القلب أسفل طبقات الركام.
- كاميرات البحث الحراري: التي ترصد فروق درجات الحرارة للتمييز بين الجسد الحي والركام البارد.
- أنابيب الاستماع والاستشعار الصوتي: التي تلتقط أي صوت خفيف أو طرقات يصدرها المحتجزون طلباً للمساعدة.
- الكلاب البوليسية المدربة: القادرة على شمّ رائحة الإنسان حتى تحت أمتار من الأنقاض.
وتُستخدم هذه الأدوات بحذر شديد، إذ يُمنع استخدام المعدات الثقيلة بشكل عشوائي خشية التسبب في انهيار ثانوي يطمر المحتجزين أو يهدد حياة رجال الإنقاذ أنفسهم، لا سيما مع وجود أطفال يُرجَّح أنهم محتجزون في فراغات ضيقة.
مشهد الترقب.
الأهالي بين الدعاء والأمل.
على مقربة من موقع الحادث، يقف الأهالي في حالة من الترقب والقلق البالغ، تتصاعد الدعوات وتختلط الدموع بالرجاء، فيما يواصل رجال الحماية المدنية أشغالهم دون توقف، يتبادلون الإشارات ويحسبون خطواتهم بدقة متناهية تحت الأضواء الكاشفة.
وقد سجّل الحادث حضوراً قيادياً أمنياً مكثفاً بإشراف مباشر من قيادات مديرية الأمن، الذين تابعوا مراحل رفع الحطام لحظة بلحظة.
فرق الإنقاذ الخاصة: من هم؟
تمتلك مصر وحدات إنقاذ متخصصة داخل جهاز الحماية المدنية، مدربة على التعامل مع انهيارات المباني وحوادث الزلازل والانفجارات، وتضم مهندسين مدنيين وأطباء طوارئ وفنيي آلات ثقيلة، يعملون وفق بروتوكولات دولية للبحث والإنقاذ في المناطق الحضرية (USAR).
هذه الفرق قادرة على العمل لساعات طويلة متواصلة في بيئات شديدة الخطورة، مع الحفاظ على سلامة المحتجزين قدر الإمكان.
لماذا تتكرر انهيارات العقارات؟
يكشف هذا الحادث مرة أخرى هشاشة بعض المباني في الأحياء الشعبية القديمة، وتبرز أسبابه المحتملة:
- تقادم البنية الخرسانية وعدم صيانتها لعقود طويلة.
- البناء العشوائي وإضافة أدوار جديدة فوق الأساس الأصلي.
- تأثير التسريبات المائية والصرف الصحي على الأساسات.
- أعمال حفر أو هدم غير مدروسة في المباني المجاورة.
- عدم التزام بعض المالكين بتقارير السلامة الإنشائية.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن آلاف المباني في القاهرة الكبرى تُصنَّف ضمن نطاق «العقارات الآيلة للسقوط»، ما يجعل مثل هذه الحوادث خطراً دائماً يهدد السكان.
ما الذي يحدث الآن؟
لا تزال العمليات جارية في موقع الحادث، بالتزامن مع فتح تحقيقات أولية لتحديد ملابسات الانهيار وتحديد المسؤوليات.
وتُعدّ الدقائق الأولى منذ وقوع الانهيار الحاسمة في فرص النجاة، حيث تشير دراسات الإغاثة إلى أن احتمالات بقاء المحتجزين على قيد الحياة تتضاءل بشكل حاد بعد مرور 72 ساعة، وهو ما يجعل كل لحظة تمرّ على رجال الإنقاذ بمثابة معركة حقيقية ضد الزمن.
يبقى الأمل معلقاً على كفاءة رجال الحماية المدنية، ودعوات أهل حدائق القبة، وذاكرة مدينة تعلّمت أن تنهض بعد كل محنة، لكنها ما زالت تدفع فاتورة الإهمال في صمت.

التعليقات