التخطي إلى المحتوى

علي جمعة يوضح حقيقة ولاية الله وشروطها الجوهرية

في إطار حديثه عن المعاني السامية التي تربط الإنسان بخالقه وبالخلق من حوله، كشف الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومفتي الجمهورية السابق، عن الشروط الأساسية التي ترفع الإنسان إلى مكانة «ولاية الله»، مشدداً على أن هذا المقام الروحي الرفيع لا يُنال بمجرد الدعاوى أو الشعارات البراقة، وإنما يتحقق عبر عمل جاد ومنهج مستقيم قائم على أسس دينية واضحة وثابتة لا تقبل التأويل أو الادعاء.

ما معنى ولاية الله في المفهوم الشرعي؟

يوضح العلماء أن الولاية في الأصل اللغوي مأخوذة من «الولي»، وهو القرب والمحبة والنصرة.

وفي الاصطلاح الشرعي، وليّ الله هو العبد المؤمن التقي الذي أدى ما افترض الله عليه، وتقرب إليه بالنوافل حتى أحبه الله، فيصبح محبوباً له محفوظاً بنصرته وتأييده.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المكانة في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وهي آية تحمل بشارة عظيمة لكل من سلك طريق الإيمان والتقوى.

الطريق الحق لنيل محبة الله ورحمته

أكد العالم الأزهري أن الوصول إلى مرتبة الولاية الإلهية يتطلب الالتزام التام بالإيمان الخالص والتقوى المستمرة في السر والعلن، إذ إن الإخلاص شرط جوهري لقبول العمل، فلا قيمة لعمل يخالطه رياء أو سعي وراء مدح الناس.

وشدد على أن الأساس المتين لهذا الطريق يبدأ بالمحافظة على أداء الفرائض والواجبات الدينية على أكمل وجه، ثم الترقي بعد ذلك بالتقرب إلى المولى عز وجل عبر المزيد من النوافل والعبادات التي ترفع درجات العبد وتجعله محبوباً عند رب العالمين.

ويشرح العلماء هذا الترقي في ضوء الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه»، وهو نص جامع يوضح أن الفرائض هي الأساس، والنوافل هي سلم الصعود إلى المحبة الإلهية.

الفرائض أولاً: الأساس الذي لا يقوم البناء بدونه

يشير العلماء إلى أن من أهم مفاتيح الولاية الحفاظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، وأداء الزكاة لمن وجبت عليه، وصيام رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، إلى جانب بر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الخلق مع الناس.

فمن فرّط في الفرائض لم ينفعه ادعاء الولاية، إذ إن البناء لا يستقيم على غير أساس.

النوافل: طريق المحبة والاصطفاء

بعد إتمام الفرائض، تأتي النوافل كصلاة الليل والسنن الرواتب وقيام الليل والذكر والصيام التطوعي والصدقات، وهي التي ترفع العبد من مقام الإسلام إلى مقام الإحسان، حيث يعبد العبد ربه كأنه يراه.

اتباع السنة النبوية ومحبة الصالحين

وفي سياق متصل، أكد الدكتور علي جمعة أن الاقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يمثل السبيل الأوحد والأقصر لنيل رضا الله ورحمته الواسعة، فالسنة هي الترجمة العملية للقرآن الكريم، وهي التي تضبط سلوك المسلم في عباداته ومعاملاته وأخلاقه.

وأوضح أن من أعرض عن السنة أو استهان بها فقد أبعد نفسه عن الطريق القويم مهما ادعى من محبة الله.

كما لفت إلى أهمية محبة أولياء الله الصالحين والتقرب إليهم ومصاحبتهم، باعتبارهم القدوة الحسنة التي ترشد القلوب الحائرة وتعين السالكين على ثبات الخطى في طريق الهداية والإيمان الصحيح، مستشهداً بوصية الله لنبيه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وهي دعوة صريحة إلى ملازمة أهل الإيمان والصلاح.

تحذير من الغلو والادعاءات الزائفة

حذر العالم الأزهري من الغلو أو الادعاءات الزائفة التي لا أصل لها في الدين، ومن ادعاء بعض الناس مقامات لا تسندها أعمال ولا أخلاق ولا التزام شرعي، مؤكداً أن الولاية شرف لا يُمنح بالأماني، وإنما هو نتيجة عمل وإخلاص ومجاهدة للنفس.

وقد نبّه العلماء قديماً إلى أن دعوى الولاية مع فساد الظاهر والباطن من علامات الخذلان، وأن المحك الحقيقي هو استقامة السلوك وطهارة القلب.

علامات وليّ الله في حياته وسلوكه

يذكر أهل العلم عدداً من العلامات التي يعرف بها وليّ الله، ومنها:

  • المحافظة على الفرائض وعدم التفريط فيها.
  • كثرة ذكر الله والأنس بطاعته.
  • الزهد في الدنيا والقناعة بما قسم الله.
  • حسن الخلق مع الناس وكف الأذى عنهم.
  • الإخلاص في العمل والبعد عن الرياء وحب الظهور.
  • التواضع وعدم ادعاء المقامات أو طلب المدح.
  • الرفق بالخلق وقضاء حوائج الناس والصدقة في السر.

خطوات عملية للتقرب إلى الله

يمكن لكل مسلم أن يسلك طريق الولاية من خلال خطوات واضحة وميسورة، منها:

  1. المحافظة على الصلوات الخمس في وقتها والالتزام بالسنن الرواتب.
  2. المواظبة على قيام الليل ولو بركعتين، وعلى أذكار الصباح والمساء.
  3. قراءة القرآن الكريم يومياً مع التدبر والعمل بما فيه.
  4. الصدقة ولو بالقليل بشكل منتظم، والصدقة السرية الأفضل.
  5. مجالسة الصالحين وحضور مجالس العلم والدروس الدينية.
  6. محاسبة النفس يومياً والتوبة الصادقة عن الذنوب.
  7. غض البصر وحفظ اللسان وكف الأذى عن الناس.

خلاصة القول

يخلص الدكتور علي جمعة إلى أن ولاية الله ليست حكراً على أحد، ولا حصانة وراثية لأسرة معينة، بل هي باب مفتوح لكل مسلم يسلك طريق الإيمان والتقوى، يبدأ بالفرائض ويترقى بالنوافل ويستمسك بالسنة النبوية ويحب الصالحين ويتجنب الغلو والادعاءات.

فمن أخذ بهذا المنهج المستقيم رجاه أن يحظى بالقرب من الله ومحبته في الدنيا والآخرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *