في ظل الظروف الاستثنائية والمعقدة التي تمر بها أوكرانيا، تتواصل التساؤلات السياسية والقانونية حول مصير الاستحقاقات الانتخابية في البلاد، حيث تتباين الرؤى الرسمية حول هذا الملف الشائك الذي يشغل الرأي العام المحلي والدولي على حد سواء، وسط تحديات أمنية غير مسبوقة تواجه الدولة الأوكرانية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.
الدستور الأوكراني وحظر الاقتراع وقت الحرب
أكد إيفان يواس، مستشار مركز السياسة الخارجية في أوكرانيا، في تصريحات سياسية هامة، أن المنظومة الدستورية الحاكمة للبلاد تحظر تماماً إجراء أي انتخابات برلمانية أو رئاسية طالما استمرت حالة الحرب والأحكام العرفية، مشدداً على أن هذه النصوص وضعت لحماية الدولة واستقرار مؤسساتها في أوقات الأزمات الكبرى وعدم تشتيت الجهد الوطني.
ويستند هذا الموقف إلى نص المادة 83 من الدستور الأوكراني، التي تنص على عدم جواز إنهاء ولاية البرلمان (الرادا العليا) أو تعديل الدستور أثناء سريان الأحكام العرفية، وهو ما يحوّل دون إجراء أي استحقاق انتخابي وطني طالما بقيت هذه الحالة قائمة [ref:12,18].
تمديد الأحكام العرفية والتعبئة العامة
تشهد أوكرانيا تمديداً متكرراً لحالة الأحكام العرفية والتعبئة العامة، حيث تم إقرار تمديدها حتى مطلع عام 2026 وما بعده، مما يعني استمرار تجميد الجدول الانتخابي وتأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية والمحلية في آن واحد، إذ تُحظر هذه الاستحقاقات بموجب التشريع الأوكراني النافذ خلال هذه الفترة [ref:14,17].
وقد انتهت الولاية الانتخابية للرئيس فولوديمير زيلينسكي رسمياً في مايو 2024، غير أن الانتخابات تظل محظورة في ظروف الحرب، ما أثار جدلاً واسعاً حول شرعية استمراره في المنصب، وهو جدل يرفضه البرلمان الأوكراني الذي أكد في أكثر من مناسبة أن ولاية الرئيس لا تشوبها شائبة قانونياً [ref:4,6].
صلاحيات حصرية للبرلمان في تعديل القوانين
أضاف المستشار السياسي أن البرلمان الأوكراني هو الجهة التشريعية الوحيدة التي تمتلك الصلاحيات المطلقة والدستورية لتعديل قوانين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، لافتاً إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه تتطلب توافقاً برلمانياً ودراسة دقيقة للتداعيات السياسية والقانونية المترتبة على ذلك، بما يضمن استمرارية العمل المؤسسي وفقاً لمصالح الدولة العليا.
جدل داخلي حول انتخابات زمن الحرب
اندلع جدل سياسي حاد داخل الساحة الأوكرانية بعد دعوة وزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف إلى إجراء انتخابات في زمن الحرب، وهو ما اعتُبر أكبر تحدٍّ داخلي للنظام السياسي القائم.
وقد حذّر الرئيس زيلينسكي من أن إجراء انتخابات في هذه الظروف قد يؤدي إلى «تمزيق» أوكرانيا و«تسونامي» سياسي في وقت تحشد فيه روسيا قواتها، مؤكداً أن إجراء الانتخابات «مستحيل» في ظل استمرار الحرب [ref:2,3,5].
في المقابل، أبدى زيلينسكي استعداداً لتنظيم الانتخابات في حال موافقة روسيا على وقف إطلاق نار كامل لمدة 60 يوماً، وهو عرض قوبل بالرفض من الجانب الروسي، ما يعكس تعقيد المسار الانتخابي وارتباطه الوثيق بمسار التسوية العسكرية والسياسية [ref:8,10].
البعد القانوني وضمانات النزاهة
يطرح الخبراء القانونيون جملة من التحديات العملية أمام أي انتخابات محتملة في زمن الحرب، أبرزها استحالة تأمين مراكز الاقتراع في المناطق الحدودية والخاضعة للقصف، وعدم قدرة ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها على المشاركة في الاقتراع، إضافة إلى استحالة توفير الظروف اللوجستية والأمنية لنزاهة العملية الانتخابية [ref:15,16].
ومن المرجح أن يبقى ملف الانتخابات معلقاً على مسارين متوازيين: الأول قانوني مرتبط بإنهاء الأحكام العرفية، والثاني سياسي مرتبط بالتوافق الدولي والضغط الخارجي لتنظيم استحقاقات ديمقراطية جديدة، خاصة مع استمرار الجدل حول الأولوية بين الاستقرار المؤسسي ومتطلبات الشرعية الانتخابية.
الخلاصة
يبقى مصير الانتخابات الأوكرانية رهيناً لمعادلة مركبة تجمع بين استمرار الحرب، وقيود الدستور الصارمة، والتوافقات البرلمانية، والضغوط الدولية، مما يعني أن أي حديث عن انتخابات قريبة سيبقى مؤجلاً حتى تتغير المعطيات الأمنية والقانونية على الأرض.
الوسوم: #الانتخابات الرئاسية الأوكرانية #الدستور الأوكراني #البرلمان الأوكراني #إيفان يواس #زيلينسكي

التعليقات