كثيرًا ما يجد بعض الناس أنفسهم في موقف مالي محرج، حين يكونون مدينين بمبالغ لأشخاص تعذّر عليهم الوصول إليهم بعد أن انقطعت بهم سبل الاتصال تمامًا، فيبحثون عندئذ عن المخرج الشرعي والقانوني الذي يبرئ ذمتهم ويحفظ حقوق أصحابها.
وقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في حجم الاستفسارات حول هذا الموضوع، لا سيما في ظل حرص المواطنين على إبراء ذممهم وتسوية أوضاعهم المالية بما يرضي الله سبحانه وتعالى.
ومع تزايد هذه التساؤلات، تدخلت المؤسسات الدينية المتخصصة لتوضيح الرؤية الشرعية الكاملة لهذه المسائل الحساسة التي تشغل بال الكثيرين وتؤرق ضمائرهم.
حكم الشرع في الديون المتعثرة وغياب الدائن
في إطار سعيها المتواصل للإجابة على الفتاوى اليومية التي تشغل الرأي العام، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من أحد المتابعين مفاده: «ماذا يفعل الشخص الذي اقترض مبلغًا من المال من شخص آخر، ثم انقطعت أخباره ولم يعد قادرًا على الوصول إليه نهائيًا؟».
وهو موقف إنساني ومالي حرج يقع فيه كثيرون دون أن تكون لديهم دراية كافية بالخطوات الصحيحة الواجب اتباعها لإبراء الذمة أمام الله عز وجل، وحتى لا يظلوا معلقين بين الدَيْن والوفاء وعدم القدرة على السداد.
وقد أوضحت الدار أن الدين في الشريعة الإسلامية حق ثابت لا يسقط بتقادم الزمن ولا بانقطاع التواصل، وأن ذمة المدين تبقى مشغولة به حتى يؤدي ما عليه إلى صاحبه أو إلى ورثته الشرعيين، كما حرّمت الشرع المماطلة في سداد الدين القادر عليه صاحبه، وبيّنت أن الواجب على من استدان أن يبادر بالوفاء متى كان قادرًا، عملاً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ في باب الوفاء بالديون.
الخطوات العملية لإبراء الذمة ورد الحقوق لأصحابها
وأوضحت الدار في ردها الوافي أن الواجب الشرعي يحتم على المدين بذل أقصى جهد ممكن للبحث عن الدائن أو ورثته بكل الطرق المتاحة، سواء بالسؤال عنه، أو تتبع أثره، أو الاستعانة بالمعارف والجيران المشتركين، أو من خلال الجهات الرسمية والطرق القانونية المتاحة.
فإذا يئس تمامًا بعد استنفاد كافة الوسائل الممكنة، فعليه أن يتصدق بهذا المبلغ المالي نيابة عن صاحبه الأصلي مع نية إيصال الثواب والأجر إليه، على أن يلتزم بدفعه لصاحبه الأصلي فور ظهوره مرة أخرى إذا قدّر الله لهما اللقاء مستقبلًا.
ويُستحسن في هذه الحالة أن يقوم المدين بتوثيق عملية التصدق وتحديد المبلغ والجهة أو الفئة التي صرف فيها الصدقة، حتى يكون مستعدًا لتقديم بيان واضح إذا ظهر الدائن أو أحد ورثته في أي وقت، ولضمان إمكانية الاحتساب الصحيح وإعادة الحق إلى أصحابه عند قدر الله.
كما يجوز للمدين شرعًا أن يسأل عن ورثة الدائن إذا كان الدائن قد توفي، فيصرف المبلغ لهم بحسب أنصبتهم الشرعية في التركة، فإن تعذر الوصول إليهم جميعًا، صرف إلى ورثته الذين أمكن الوصول إليهم، ويرجع في ذلك إلى أهل العلم عند الاختلاف.
ويشير أهل العلم إلى أن هذه الخطوة – وهي التصدق بالدين عند اليأس من الوصول إلى صاحبه – إنما هي صورة من صور إبراء الذمة وتفريغ المسؤولية أمام الله، لكنها لا تُسقط الحق المالي في ذمة المدين إذا ظهر الدائن لاحقًا، بل يبقى مطالبًا بأداء الدين إليه مباشرة، لأن الصدقة لم تكن عن رضا صاحب الحق وإنما كانت ادخارًا للثواب ضمن إطار الحفاظ على الذمة.
لذلك يمكن القول إن الأصل في المال الغائب عن صاحبه أن يبقى محفوظًا في ذمة المدين لصاحبه، وأن التصدق به إنما يكون على وجه إبراء الذمة أمام الله عند اليأس من الوصول إليه، لا على وجه إسقاط الدين نهائيًا.
ضوابط شرعية ينبغي مراعاتها
تتضمن هذه المسألة جملة من الضوابط التي ينبغي للمدين مراعاتها، ومنها:
- النية الصادقة: أن يقصد المدين بالتصدق إبراء ذمته ودفع الدين عن صاحبه، لا التخلص من الحق وتحويل المال دون موجب شرعي.
- الوفاء عند الظهور: أن يلتزم بإعادة المبلغ لصاحبه متى ظهر، فالشرع لا يعطي المدين حق التملك بسبب انقطاع التواصل.
- البحث المستمر: عدم إعلان اليأس قبل استنفاد جميع الوسائل المعقولة، من سؤال وإشارات وتتبع عبر الجهات المختصة.
- التوثيق: حفظ سجل واضح بالمبلغ وتاريخه وسبب الوصول إلى قرار التصدق، تحوطًا لحفظ حقوق الطرفين.
وقد شددت دار الإفتاء على أن أمثال هذه الإجابات تهدف إلى تبصير الناس بأحكام دينهم وتيسير أمورهم المالية، لا إلى إقرار المماطلة أو التفريط في حقوق الآخرين، داعية المدينين إلى المبادرة بأداء الأمانات وعدم تأخيرها، حفاظًا على أموال الناس وحقوقهم، وقضاءً لحاجات المستدينين الذين يقترضون للحاجة ثم تعترضهم ظروف تعذر عليهم أداء ما عليهم.

التعليقات