في وقت تتضاعف فيه نقاط التوتر في منطقة الشرق الأوسط وتتسع آثارها لتطال الاقتصاد العالمي وأمن إمدادات الطاقة والتجارة، برز الموقف الألماني واضحاً في التأكيد على أن مصر ليست مجرد لاعب إقليمي فاعل، بل ركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب أمني أو سياسي للمنطقة.
ويرى المسؤولون الألمان أن القاهرة تمثل الشريك الاستراتيجي الأكثر موثوقية في مواجهة الأزمات المتتالية التي تمس مصالح شعوب المنطقة والعالم بأسره.
تصريحات ألمانية تعكس تقديراً أوروبياً متصاعداً
أكد فلوريان هان، وزير الدولة بوزارة الخارجية الألمانية، قبيل زيارته إلى القاهرة، أن مصر تعد لبلاده شريكاً استراتيجياً محورياً وركيزة للاستقرار في منطقة تشهد تحولات متسارعة [ref:1,2,6].
وأوضح أن التداعيات الخطيرة للأزمات الراهنة لم تعد محصورة جغرافياً، بل تمتد لتلقي بظلالها المباشرة وغير المباشرة على حياة المواطنين في مختلف أنحاء العالم [ref:4,7].
وشدد هان على أن التواصل الوثيق والموثوق مع الشركاء لا غنى عنه في مثل هذه الأوقات، مؤكداً أن الأهمية السياسية لمصر ودورها في تحقيق السلام والأمن الإقليميين يجعلانها طرفاً مركزياً في أي مسعى لحل الأزمات [ref:4].
وأشار إلى أن ألمانيا تعتمد على الحوار والدبلوماسية والتعاون الوثيق مع شركاء مثل مصر، في مقابل سياسة المحاور والمواجهة [ref:7].
مصر وحماية الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس
يحتل ملف أمن الملاحة موقعاً مركزياً في الشراكة المصرية-الأوروبية.
فقناة السويس، التي تمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية، إلى جانب مضيق باب المندب جنوباً، تشكلان نقطتي اختناق بحريتين لا تقتصر أهميتهما على مصر وحدها، بل تمتد لتشمل أوروبا وآسيا والخليج على حد سواء [ref:11,13].
وفي هذا السياق، تلعب الجهود المصرية دوراً حاسماً في:
- تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر وضمان حرية المرور للأساطيل التجارية.
- الحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد العالمية في أحد أهم الممرات المائية الحيوية.
- احتواء التداعيات الاقتصادية للأزمات على تكاليف الشحن وأسعار التأمين وأسواق الطاقة.
- التنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين لمواجهة تهديدات الفاعلين من غير الدول [ref:2,5,19].
ومع تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، تعززت قناعة الاتحاد الأوروبي بأن أمن هذا الممر لا يمكن أن يتحقق دون دور مصري فاعل، وهو ما دفعه إلى إطلاق عمليات بحرية لحماية الملاحة، بالتوازي مع مبادرات التعاون مع القاهرة وشركاء المنطقة [ref:18,20].
البعد الاقتصادي: قناة السويس وتأثير الأزمات
لم تكن تداعيات اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ترفاً سياسياً، بل انعكست مباشرة على إيرادات قناة السويس، التي تُعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر.
وقد أدى تحويل مسارات الشحن إلى رأس الرجاء الصالح إلى تراجع عائدات القناة، ما يزيد الضغط على الاقتصاد المصري ويفسر في الوقت نفسه الحرص الأوروبي على دعم استقرار البيئة الإقليمية.
كما دفعت هذه التطورات مصر إلى تنويع مصادر إمداداتها وتعزيز أمن البنية التحتية الحيوية، خصوصاً بعد استهداف منشآت طاقة قرب السواحل المصرية، وهو ما رفع من أهمية التنسيق الأمني مع الشركاء الأوروبيين [ref:17].
رؤية مشتركة لمواجهة الأزمات الدولية
تأتي هذه التصريحات الألمانية لتؤكد مجدداً عمق العلاقات بين القاهرة وبرلين، والتقدير الأوروبي المتصاعد للثقل السياسي والميداني الذي تتمتع به مصر.
وتسعى الأطراف الدولية إلى الاستفادة من الرؤية المصرية المتوازنة في خضم احتدام الصراعات الإقليمية، وسط مطالبات متزايدة بتعزيز التعاون المشترك لاحتواء التداعيات الاقتصادية والأمنية التي تضغط على الاقتصاد العالمي والمواطن البسيط.
ويشمل التعاون المصري-الألماني مجالات متعددة تتجاوز الأمن والملاحة، منها:
- مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر في إطار مساعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة.
- الاستثمار والتعاون التنموي في البنية التحتية والنقل والصناعة.
- التعليم العالي والتدريب المهني، حيث يُعد نموذج الجامعة الألمانية في القاهرة مثالاً بارزاً على الشراكة الأكاديمية [ref:5].
- التبادل الدبلوماسي المنتظم بين وزارتي الخارجية في البلدين، بما يعكس أولوية العلاقات الثنائية [ref:3,10].
خلاصة: شريك لا غنى عنه
يبدو المشهد واضحاً: في أي معادلة لاستقرار الشرق الأوسط أو حماية الملاحة الدولية، تظل مصر رقماً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
ويعكس الموقف الألماني، بما يحمله من تقدير صريح للدور المصري، تحولاً أوسع في الموقف الأوروبي نحو إدراك أن أمن أوروبا واقتصادها مرتبطان عضوياً بأمن الممرات المائية في المنطقة.
ومع استمرار التحديات، يبقى التعاون المصري-الأوروبي خياراً استراتيجياً لا بديل عنه.

التعليقات