التخطي إلى المحتوى

ما جرى في السعودية ليس خبرا عابرا

لم يكن استهداف المنشآت المدنية والمطارات الدولية في السعودية حادثا يمكن تجاوزه ببيان إدانة تقليدي، ولا مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل الصراعات الإقليمية؛ فهذه اعتداءات استهدفت منشآت مدنية ومطارات دولية، وأزهقت أرواح أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وُجدوا في المكان الذي اختارته الصواريخ ساحة للموت.

ماذا حدث في مطار الملك خالد ومطار الملك فهد؟

إن استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وما أُعلن عن سقوط مقذوف في محيط مطار الملك فهد الدولي بالدمام، وما خلّفه ذلك من ضحايا وجرحى، يمثل تطورا خطيرا يستوجب موقفا عربيا ودوليا واضحا لا يحتمل المواربة أو ازدواجية المعايير.

فقد أعلنت السلطات السعودية، في أعقاب الهجوم الذي وقع في مطار الملك خالد الدولي يوم 10 أكتوبر، سقوط 12 شهيدا وإصابة 309 أشخاص، فيما أكدت تقارير رسمية وقوع مقذوف في محيط مطار الملك فهد الدولي بالدمام.

وهذه أرقام ثقيلة لا يجوز أن تتحول إلى مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار؛ فخلف كل ضحية أسرة فقدت إنسانا، وخلف كل مصاب حكاية ألم لم تنته بعد.

إدانة مطلقة لاستهداف المدنيين

ندين بأشد العبارات هذه الاعتداءات التي تنسبها السلطات السعودية ومصادر دولية إلى جماعة الحوثي المدعومة من إيران، ونرفض كل محاولة لتبرير استهداف المدنيين أو تحويل المطارات والمنشآت المدنية إلى أهداف في صراعات لا يدفع ثمنها أصحاب القرار، بل يدفعه الأبرياء من أرواحهم وأمنهم واستقرار حياتهم.

لا توجد قضية سياسية تمنح أحدا رخصة لاستباحة دماء المدنيين، ولا توجد خلافات إقليمية تجعل أمن الناس أمرا قابلا للمساومة.

فمطارات الدول ليست ثكنات عسكرية، والمسافرون ليسوا أطرافا في المعارك، والطائرات المدنية ليست أهدافا مشروعة لتصفية الحسابات.

ومن يختار توجيه الصواريخ نحو منشآت يرتادها المواطنون والمقيمون والمسافرون من مختلف الجنسيات، عليه أن يدرك أن التداعيات لا تقف عند حدود الدولة المستهدفة، بل تمتد إلى أمن الملاحة الجوية، وحركة التجارة، وثقة العالم في استقرار المنطقة بأسرها.

لماذا تهدد هذه الاعتداءات الأمن العالمي؟

لا يتوقف أثر هذه الاعتداءات عند الحدود السعودية، بل يمتد إلى三条 مسارات رئيسية ترتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي:

  • أمن الملاحة الجوية: استهداف المطارات الدولية يمس بمعايير السلامة الجوية ويزعزع ثقة شركات الطيران والمسافرين في المجال الجوي الإقليمي.
  • حركة التجارة العالمية: تمر عبر المنطقة واحدة من أكثر الممرات التجارية حيوية، وأي تهديد للمنشآت الحيوية ينعكس على سلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين.
  • أمن الطاقة: تستضيف المنطقة مقومات أساسية لأسواق النفط والغاز، فأي مساس بالاستقرار ينعكس فورا على أسعار الطاقة واقتصادات العالم.

مسؤولية المجتمع الدولي.

من التنديد إلى المحاسبة

.

إن مسؤولية المجتمع الدولي لا تتوقف عند إصدار بيانات الأسف والتنديد.

المطلوب تحرك جاد لوقف هذه الاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقا للقانون الدولي، وتعزيز حماية المنشآت المدنية، وممارسة الضغوط اللازمة لمنع تكرارها؛ فالقانون الدولي ليس قائمة من المبادئ تُستدعى حين تناسب المصالح وتُهمل حين تتعارض معها، وحماية المدنيين ليست امتيازا تمنحه القوى الكبرى لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الدعم الإيراني للحوثيين بوصفه ملفا أمنيا وسياسيا يستحق معالجة جادة، تركز على الأدلة والمسؤوليات الفعلية، وتمنع استمرار تدفق وسائل التصعيد التي تهدد أمن المملكة والمنطقة.

فاستقرار الخليج ليس شأنا محليا محدودا، بل ركيزة من ركائز أمن الاقتصاد العالمي، وسلامة طرق التجارة والطاقة، واستقرار الملايين من البشر.

السعودية ليست وحدها

أما المملكة العربية السعودية، فإننا نعلن تضامننا الكامل معها في مواجهة هذه الاعتداءات، ونثق في قدرتها على التعامل مع الموقف بما يحفظ سيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها، وبما يصون مصالحها الوطنية ويمنع تكرار استهداف منشآتها المدنية؛ فالمملكة دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي، ولديها من المؤسسات والإمكانات ما يؤهلها لإدارة الأزمات واتخاذ ما تراه مناسبا لحماية أمنها.

والثقة في قدرة السعودية على حماية نفسها لا تعني إعفاء العالم من مسؤولياته، بل تعني أن الوقوف إلى جانبها واجب سياسي وأخلاقي، لا منة من أحد ولا اصطفافا ضد شعب آخر.

فالتضامن مع المملكة لا يتعارض مع الحرص على أمن الشعب اليمني، الذي عانى سنوات طويلة من الحرب والدمار، بل إن إنهاء دوامة الاعتداءات والتصعيد يصب في مصلحة شعوب المنطقة كلها.

رفض منطق الميليشيات: الصواريخ ليست وسيلة تفاوض

ومن المهم هنا ألا نسمح لمنطق الميليشيات بأن يفرض معادلة مفادها أن الصواريخ هي وسيلة التفاوض، وأن المدنيين أوراق ضغط، وأن المطارات والمرافق الحيوية أهداف يمكن ضربها كلما تعقدت الحسابات السياسية.

إن قبول هذه المعادلة اليوم يعني فتح الباب أمام تكرارها غدا، في السعودية أو في أي دولة أخرى.

موقف عربي متماسك وأمن خليجي لا يتجزأ

إن دول الخليج تعرف جيدا أن الأمن لا يتجزأ، وأن المساس باستقرار إحداها ينعكس على الجميع.

ولذلك، فإن الموقف المطلوب هو موقف عربي متماسك، يتجاوز العبارات الدبلوماسية المعتادة إلى تنسيق سياسي وأمني فاعل، بالتوازي مع تحرك دولي يمنع اتساع دائرة المواجهة ويحمي المدنيين من دفع ثمن صراعات لم يختاروها.

وفي الكويت والقاهرة والرباط وتونس والخرطوم وعمان ودمشق والجزائر والمنامة وكل العواصم العربية من المحيط للخليج، لا يمكن النظر إلى ما تتعرض له المملكة ببرود أو باعتباره شأنا يخص دولة بعينها.

ما يجمع العرب والسعودية أعمق من حدود الجغرافيا وحسابات السياسة اليومية، إنه تاريخ من الأخوة والمصالح المشتركة والمصير الواحد.

وأمن المملكة واستقرارها مصلحة خليجية وعربية، والوقوف معها في مواجهة الاعتداءات موقف تمليه المسؤولية قبل أي حساب آخر.

ما الذي ننتظره من العالم؟

إن دماء الأبرياء التي سالت في الرياض ليست تفصيلا عابرا، وأمن السعودية ليس قضية قابلة للتفاوض على حساب المدنيين.

نريد موقفا دوليا يوازي خطورة ما حدث، وإجراءات تمنع تكراره، ومحاسبة لا تميز بين الضحايا على أساس الجنسية أو الموقع السياسي.

ونريد لمن يطلق الصواريخ أن يدرك أن استهداف المدنيين لن يصنع نصرا، وأن إرهاب المجتمعات لن يفرض شرعية، وأن استمرار التصعيد لن يقود إلا إلى مزيد من الخسائر.

ستبقى المملكة العربية السعودية قادرة، بإذن الله، على حماية أمنها والتعامل مع التحديات التي تواجهها، وستبقى شعوب الخليج أكثر تمسكا بأمنها المشترك واستقرارها.

أما العالم فعليه أن يختار بوضوح: إما أن تكون حماية المدنيين قاعدة ثابتة لا تخضع للمساومة، وإما أن يترك المنطقة رهينة صواريخ لا تعرف الحدود، ولا تفرق بين مذنب وبريء.

حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها وحفظ سائر أوطاننا العربية.

د/ يوسف العميري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *