مصر تتجه شرقاً: استراتيجية اقتصادية جديدة لبناء شراكات مع الاقتصادات الصاعدة
تشهد الساحة الدولية في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في موازين الاقتصاد العالمي، إذ انتقل مركز الثقل الاقتصادي تدريجياً من الغرب نحو قارة آسيا، التي أصبحت تمثل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وفي خضم هذه التحولات، تقود القيادة السياسية المصرية تحركات دبلوماسية واقتصادية واسعة نحو القارة الآسيوية، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التعاون الدولي لمصر، وتنويع شركائها بعيداً عن الأسواق التقليدية.
وفي هذا السياق، أكد الخبراء أن الجولة الخارجية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي تعكس رغبة حقيقية وجادة في نسج شبكة شراكات اقتصادية قوية مع الاقتصادات الصاعدة في شرق آسيا، والتي تشهد نمواً متسارعاً يفتح شهية المستثمرين الدوليين، ويجعلها نموذجاً تنموياً يستحق الدراسة والاستفادة.
جذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعة في مصر
أوضح الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن التحرك المصري نحو دول شرق آسيا لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج رؤية متكاملة لتعظيم الاستفادة من التجربة التنموية لتلك النمور الآسيوية، التي استطاعت خلال عقود قليلة أن تتحول من اقتصادات نامية إلى قوى صناعية وتكنولوجية مؤثرة.
وتسعى القاهرة من خلال هذه الشراكات إلى جذب المزيد من التدفقات النقدية الأجنبية، وتوطين التكنولوجيا الحديثة، والاستفادة من البنية التحتية المتطورة التي باتت تمتلكها مصر مؤخراً، والتي تشمل شبكة طرق وكباري وموانئ ومحطات كهرباء ومجمعات صناعية ضخمة، مما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للتصنيع والتصدير نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية.
ويأتي ذلك في ظل ما تمتلكه مصر من مزايا تنافسية حقيقية، أبرزها موقعها الجغرافي الفريد الذي يربط بين ثلاث قارات، وقناة السويس التي تمر عبرها نحو 12% من حركة التجارة العالمية، إلى جانب اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنح المنتج المصري نفاذاً تفضيلياً إلى أسواق تضم أكثر من ملياري مستهلك.
آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري
وأضاف جاب الله أن الأسواق الآسيوية تمثل عمقاً استراتيجياً هاماً يمكن للدولة المصرية استغلاله لزيادة حجم الصادرات المصرية وتقليص الفجوة التجارية، فضلاً عن فتح باب واسع أمام تبادل الخبرات في قطاعات الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والنقل الذكي.
وتُعد الصادرات المصرية غير البترولية إلى أسواق شرق آسيا، من المنتجات الزراعية والكيماوية والأسمدة والمنسوجات والرخام، إحدى الركائز الواعدة لتوسيع قاعدة التبادل التجاري، خصوصاً مع تزايد الطلب الآسيوي على المنتجات الزراعية الطازجة والمصنعة.
وتأتي هذه الجهود في وقت تسعى فيه الحكومة المصرية لتذليل كافة العقبات أمام المستثمرين الأجانب وتقديم حزمة من الحوافز غير المسبوقة لتسهيل ضخ الأموال في السوق المصري الواعد، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية، والتوسع في منح الإقامة والجنسية مقابل الاستثمار، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات عبر التحول الرقمي.
رؤية مستقبلية
ويرى خبراء الاقتصاد أن الانفتاح المصري على شرق آسيا قد يمثل نقطة تحول نوعية في مسار الاقتصاد المصري إذا ما اقترن بتطبيق فعّال لسياسات نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية، إذ لا يقتصر الأمر على جذب الأموال فحسب، بل يمتد إلى بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على المنافسة عالمياً، وتحقيق تنمية مستدامة ترفع معدلات النمو وخلق فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطن المصري على المدى الطويل.

التعليقات