يولي المشرع المصري اهتماماً متزايداً بفئة كبار السن، إيماناً بأن حماية كرامتهم واستقلاليتهم مسؤولية وطنية وأخلاقية، خاصة في ظل تزايد التحديات المعيشية وتغير البنية الأسرية.
وفي هذا الإطار أصدر القانون رقم 19 لسنة 2024 قانون رعاية حقوق المسنين، الذي يُعد بمثابة نقلة تشريعية شاملة تهدف إلى حماية حقوق المسن المصري ورعايته اجتماعياً وصحياً ونفسياً واقتصادياً، وكفالة تمتعه بحقوقه الاجتماعية والسياسية والصحية والثقافية والترفيهية [ref:14,15,18].
من هو المسن قانوناً؟
حدد القانون المصري سن المسن بأنه كل مصري بلغ الخامسة والستين ميلادية، كما يسري على الأجنبي الخاضع لأحكامه وفق ضوابط معينة، وهو تعريف يترتب عليه آثار قانونية مباشرة عند تقدير الحالات التي تستوجب التدخل لحماية الشخص من الخطر أو الإهمال [ref:12].
حالات عاجلة تستوجب التدخل القانوني لحماية المسن
تتعدد الصور التي قد يتعرض فيها كبير السن للتهديد أو الخطر، والتي تستوجب تفعيل نصوص قانون حقوق المسنين لإنقاذه على نحو فوري، ومن أبرزها:
- الإهمال الجسدي أو المعنوي، سواء داخل محيط الأسرة أو في إحدى مؤسسات الرعاية.
- سوء المعاملة الأسرية أو العنف بنوعيه اللفظي والبدني.
- حرمان المسن من حقوقه الأساسية في المأكل والملبس والعلاج الآمن.
- الاستغلال المالي واستغلال حاجته الصحية أو ضعفه للاستيلاء على أمواله أو ممتلكاته.
- الامتناع العمدي عن أداء واجبات الرعاية من قِبَل الشخص المكلف بها قانوناً.
- احتجازه أو إيداعه في مؤسسة رعاية دون رغبته أو استيفاء الشروط القانونية [ref:4,8,16].
عقوبات صارمة لكل من يهمل أو يستغل المسن
لم يكتفِ القانون بإعلان الحقوق، بل قرنها بجزاءات رادعة، حيث يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل شخص مكلف بالرعاية امتنع عن أداء واجباته [ref:2].
وتشدد العقوبة إلى الحبس مدة لا تجاوز سنتين وبغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حالات الامتناع العمدي أو الاستغلال.
وإذا ترتب على الإهمال إصابة المسن بجرح أو أذى، ارتفعت العقوبة إلى السجن من ثلاث إلى خمس سنوات، ما يعكس تغليظاً واضحاً لجرائم الاعتداء على كبار السن [ref:1,5,7].
دور الدولة والمجتمع في تأمين حياة كريمة لكبار السن
لا تقتصر أحكام القانون على الجزاء، بل يمتد إلى منظومة وقائية وعلاجية متكاملة تضمن دمج المسنين في المجتمع وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، مع إتاحة حزمة من الإعفاءات والمزايا الخدمية الميسّرة في مجالات النقل والصحة والاشتراكات [ref:17].
وتلتزم المؤسسات الاجتماعية العاملة في مجال رعاية المسن بعدد من الضوابط، من بينها عدم إبقاء أي مسن في دار الرعاية دون رغبته أو دون موافقته الحرة، حفاظاً على استقلاليته وحريته الشخصية [ref:16].
آليات الإبلاغ وتلقي الشكاوى
تعمل الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني جنباً إلى جنب لتلقّي الشكاوى والبلاغات الخاصة بأي انتهاكات أو حالات إهمال يتعرض لها كبار السن، والتحرك الفوري لتوفير بيئة آمنة تضمن لهم حياة كريمة ومستقرة تليق بتاريخهم وعمرهم.
تحديات التطبيق على أرض الواقع
رغم أهمية النصوص التشريعية، يواجه تطبيق القانون بعض التحديات العملية، إذ أطلقت منظمات حقوقية حملات مثل «حبر على ورق» للمطالبة بتفعيل نصوص القانون بصورة كاملة، وفتح نقاش عام حول الصعوبات التي تعترض حصول كبار السن على حقوقهم، لا سيما في خدمات الرعاية الصحية وسهولة الوصول إليها، وسط تقديرات تشير إلى أن ملايين المصريين في سن الشيخوخة لا يزالون في حاجة إلى رعاية حقيقية [ref:10,19].
كيف يحمي المسن حقوقه عملياً؟
- التوجه إلى أقرب وحدة اجتماعية لطلب الدعم وتقديم بلاغ بشأن أي إهمال.
- الاستعانة بالمجالس القومية والجهات المختصة لحالات الاستغلال المالي.
- توثيق أي إساءة بالصور أو الشهود لتسهيل إثباتها قانوناً.
- اللجوء للنيابة العامة مباشرة في الحالات العاجلة التي تتعلق بالسلامة الجسدية.
خلاصة القول: التشريع المصري أصبح يمتلك أدوات حاسمة لحماية كبار السن، لكن التحدي الحقيقي يظل في تفعيل هذه النصوص على أرض الواقع، وتحويل الحماية المنصوص عليها من نصوص قانونية إلى واقع معاش يضمن للمسن حياة كريمة ومستقرة.

التعليقات