يشهد قطاع صناعة السيارات عالمياً تحولات دراماتيكية متسارعة، تتقاطع فيها التكنولوجيا بالأمن القومي بالتجارة الدولية، فيما تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن حيث تُدرس حزمة من التعديلات التشريعية الحاسمة التي قد تقلب موازين السوق رأساً على عقب.
كواليس التحرك الأمريكي الجديد ضد التكنولوجيا الآسيوية
يعكف أعضاء بارزون ومؤثرون داخل مجلس الشيوخ الأمريكي على دراسة تعديلات استثنائية تُدمج في صميم مشروع القانون المعروف بـ «أمن المركبات المتصلة» (Connected Vehicle Security Act)، وهو ما يُعد ضربة موجّهة لتمدد قطاع السيارات الآسيوي في السوق الغربي.
وتأتي هذه التحركات في إطار مساعٍ حثيثة للحد من السيطرة المتنامية للسيارات الصينية الذكية والمتصلة بالإنترنت، والتي تشكّل بحسب الرؤية الأمريكية تحدياً مباشراً للأمن القومي وخطراً محتملاً على أمن البيانات الشخصية للمواطنين.
ويهدف واضعو هذه التعديلات إلى فرض قيود غير مسبوقة تجعل من الصعب على المركبات المصنّعة في الصين دخول الشوارع الأمريكية، مما يمهد لحرب تجارية ساخنة جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتشمل المقترحات المطروحة قيوداً على البرمجيات والوحدات المتصلة بالشبكات، ومراجعة أمنية إلزامية لسلاسل الإمداد، وصلاحيات واسعة للجهات التنظيمية لمراجعة أي مكوّن رقمي في السيارة قبل منحها الإذن بالبيع.
خلفية الصراع: من الرسوم الجمركية إلى حرب البرمجيات
لم تبدأ هذه المعركة اليوم، إذ سبقتها إجراءات أمريكية متدرجة شملت رسوماً جمركية مرتفعة على السيارات الصينية، وتشديد قواعد الإعفاءات الضريبية لمركبات الطاقة الكهربائية المرتبطة بمصادر صينية، إضافة إلى حملات أمريكية ضغطت على حلفائها الأوروبيين لتبنّي سياسات مماثلة.
ويُعدّ «أمن المركبات المتصلة» الحلقة الأحدث في هذه السلسلة، لكنه الأخطر، لأنه لا يستهدف السعر بل البنية التقنية للمركبة نفسها، وهو ما يجعل تجاوزه شبه مستحيل دون إعادة هندسة كاملة للمنتج.
مرسيدس وباقي العمالقة في قفص الاتهام والترقب
ولم تقتصر تداعيات هذه النقاشات المحتدمة على الشركات الصينية وحدها، بل امتدت لتلقي بظلالها الكثيفة على كبرى الشركات الأوروبية والعالمية، وفي مقدمتها عملاق صناعة السيارات الألماني الفاخر «مرسيدس».
فالتشريعات المرتقبة قد تفرض شروطاً معقدة تتعلق بسلاسل الإمداد والبرمجيات المستخدمة، مما يثير مخاوف عميقة لدى الإدارة التنفيذية لمرسيدس وغيرها من العلامات التجارية الكبرى التي تعتمد بشكل أو بآخر على مكونات مرتبطة بالأسواق الآسيوية.
وتجد هذه الشركات نفسها وسط ساحة معركة تشريعية تهدد خططها الاستثمارية المستقبلية، خاصة أن مرسيدس تعتمد بشكل متزايد على الشرائح الإلكترونية والبرمجيات المتقدمة، وتطوّر أنظمة قيادة ذاتية بالتعاون مع شركاء تقنيين عالميين.
فإلزام الشركة بإفصاح كامل عن شيفرة البرمجيات ومصدر المكونات الرقمية قد يبطئ دورات التطوير ويرفع الكلفة، كما قد يحرم المستهلك الأوروبي من بعض الميزات التي باتت معياراً في السوق.
انعكاسات على المستهلك والسوق
تشير التقديرات الأولية إلى أن القيود المرتقبة قد ترفع متوسط سعر السيارة المتصلة في السوق الأمريكي، وتقلّص عدد الطُرز المتاحة للمستهلك، خصوصاً في الشرائح التي تعتمد على المنصات التقنية الصينية.
كما قد تدفع كبرى الشركات الصينية إلى تسريع بناء مصانعها في دول ثالثة مثل المكسيك والمجر والمغرب، للالتفاف على القيود من خلال تصنيع محلي يستوفي الشروط الأمريكية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح واشنطن في إعادة رسم خريطة السيارات العالمية، أم أن السوق سيجد دائماً طريقاً بديلاً لعبور الحدود التقنية؟.

التعليقات