تشهد العواصم والمدن الأوروبية الكبرى موجة احتجاجات متصاعدة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، تزامناً مع إحياء الذكرى السنوية الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر.
ولم تقتصر هذه الفعاليات على عاصمة واحدة، بل امتدت من لندن وباريس إلى برلين ومدريد وروما وبروكسل، لتتحول في عدد من المواقع إلى ساحات مواجهة بين المحتجين وقوات الأمن التي فرضت تدابير احترازية هي الأكثر تشدداً منذ سنوات.
إجراءات أمنية غير مسبوقة واعتقالات بالجملة
تعاملت الأجهزة الأمنية في عدة دول أوروبية بحزم لافت مع المسيرات المؤيدة لفلسطين، إذ فرضت قيوداً مسبقة على تنظيم التجمعات، وأقامت حواجز أمنية حول الساحات والميادين الكبرى، ونشرت تشكيلات معززة من شرطة مكافحة الشغب.
وقد أسفرت هذه التدخلات عن حملات اعتقال واسعة طالت عشرات المشاركين، وذلك بحجج متعددة منها الإخلال بالنظام العام، أو رفع شعارات وصفتها السلطات بأنها مخالفة للقانون، أو عدم الحصول على التصاريح اللازمة لتنظيم الفعاليات.
في باريس، أعلنت السلطات منع تجمعات في محيط عدد من المعالم الرمزية، فيما استخدمت شرطة لندن صلاحيات موسعة في إطار قانون النظام العام، بينما واجهت تجمعات في برلين قيوداً على استخدام الرموز واللافتات.
أما في مدريد وروما وبروكسل، فقد تراوحت الإجراءات بين غلق طرق رئيسية وتطويق ساحات مركزية وفرض مسارات بديلة للمتظاهرين.
حراك شعبي متواصل وهتافات تضامنية تهز الشوارع
على الرغم من التضييقات الأمنية وقرارات منع بعض التجمعات، حرص آلاف المواطنين والنشطاء ومتضامنون من الجاليات العربية والإسلامية، إلى جانب مجموعات شبابية ومنظمات مدنية، على النزول إلى الشوارع رافعين الأعلام الفلسطينية واللافتات المنددة بالعدوان، والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية دائمة وإدخال المساعدات بشكل غير مشروط إلى قطاع غزة.
ورفعت الحشود هتافات تطالب بإنهاء الحصار، وحرية الحركة والتنقل، ووقف التهجير القسري، كما حمل بعض المشاركين صوراً للأطفال والجرحى في رسالة تضامنية واضحة.
ولم تقتصر المشاركة على الجاليات العربية، بل انضم إليها طلاب جامعيون ونقابيون وفنانون وناشطون في مجال حقوق الإنسان، ما يعكس اتساع قاعدة التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية داخل القارة الأوروبية.
توتر مع قوات الأمن وانتقادات حقوقية
تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن، حيث استُخدمت خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع في مناطق محدودة لتفريق حشود رفضت مسارات بديلة، فيما تحدث شهود عن حالات تدافع واحتكاك أسفرت عن إصابات طفيفة في صفوف المتظاهرين وعناصر الشرطة.
في المقابل، أثارت الحملات الأمنية موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء في القانون الدولي، حذّروا من أن القيود المفروضة على التظاهر السلمي قد تمس جوهر الحق في حرية التجمع والتعبير.
وطالبت هذه المنظمات بالإفراج عن المعتقلين الذين لم تثبت ضدهم مخالفات جنائية، وبإجراء مراجعات قضائية سريعة لضمان محاكمات عادلة، مع التشديد على أن دعم المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية لا ينبغي أن يُجرَّم.
دلالات سياسية وتداعيات متوقعة
تكشف هذه التحركات عن فجوة متنامية بين السياسات الرسمية لعدد من الحكومات الأوروبية وبين مزاج شرائح واسعة من الرأي العام، خصوصاً في أوساط الشباب والمدن الكبرى.
كما تعيد ظاهرة الاحتجاجات الواسعة فتح النقاش حول حدود الموازنة بين مقتضيات الأمن العام من جهة، وضمانات الحقوق الأساسية من جهة أخرى.
ويرجّح مراقبون أن تتواصل الفعاليات التضامنية في الأسابيع المقبلة عبر وقفات ومسيرات دورية وحملات ضغط على البرلمانات المحلية، مع احتمال تصاعد الجدل القانوني حول صلاحيات الشرطة في التعامل مع التجمعات، وتزايد الدعوات إلى تحركات دبلوماسية أوروبية أكثر وضوحاً.
ما يبقى مؤكداً أن القضية الفلسطينية ما زالت تحظى بتفاعل شعبي واسع النطاق داخل “القارة العجوز”، متجاوزةً اختلافات المواقف الرسمية وقيود السياسات الأمنية، في مشهد يعكس حيوية النقاش العام الأوروبي حول قضايا الحرية والعدالة.
خلاصة
في الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر، تجددت الاحتجاجات في العواصم الأوروبية بمزيج من الحزم الأمني والحراك الشعبي الواسع، في ظل تداعيات إنسانية وقانونية وسياسية متشابكة، تاركةً أسئلة مفتوحة حول مستقبل الحريات العامة في أوروبا وحدود الضغط الشعبي في التأثير على القرار السياسي.

التعليقات