أكد البرلمان العربي أن تحقيق الأهداف العالمية لحماية البيئة، وفي مقدمتها هدف الحفاظ على 30% من الأراضي والمياه والمناطق الساحلية والبحرية بحلول عام 2030، لا يمكن أن يتحقق بمجرد الالتزامات المعلنة، بل يتطلب توفير التمويل الكافي وبناء قدرات مؤسسية وبشرية ونقل التكنولوجيا، وبخاصة إلى الدول النامية، بما يمكّنها من تنفيذ هذه الالتزامات بصورة مستدامة تحفظ مواردها الطبيعية ولا تعطّل مسارها التنموي.
جاء ذلك في مداخلة ألقاها معالي النائب الدكتور محمد اليحياوي باسم البرلمان العربي، خلال أعمال اللجنة الدائمة للتنمية المستدامة بالجمعية العامة الـ153 للاتحاد البرلماني الدولي والاجتماعات المصاحبة لها، المنعقدة في مدينة أروشا التنزانية، ضمن مناقشات مشروع القرار الخاص بـ«القيادة البرلمانية لحماية النظم البيئية الجبلية والبحرية وتحقيق هدف الحفاظ على 30% من المساحات الطبيعية بحلول عام 2030».
وتكمن أهمية هذا النقاش في كونه يأتي في إطار مبادرة «30×30» المنبثقة عن الإطار العالمي للتنوع البيولوجي الذي أُقرّ خلال مؤتمر «كوب 15» في مونتريال عام 2022، والذي يهدف إلى صون 30% من النظم البيئية البرية والبحرية والساحلية بحلول نهاية العقد الحالي، في مواجهة وتيرة فقدان التنوع البيولوجي المتسارعة، إذ يُقدَّر أن نحو مليون نوع من النباتات والحيوانات مهدد بالانقراض بحسب تقييمات المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي.
وأوضح النائب اليحياوي أن النقاش حول حماية البيئة يجب ألا يقتصر على حجم المساحات التي سيتم حمايتها، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم: كيف سيتم تمويل هذه الحماية وإدارتها بصورة مستدامة؟ وشدد على أن مطالبة الدول النامية بالتزامات بيئية طموحة يجب أن تترافق مع توفير وسائل تنفيذ قادرة على تحويل هذه الالتزامات إلى واقع ملموس، لافتًا إلى أن الفجوة التمويلية العالمية في مجال التنوع البيولوجي تُقدَّر بنحو 700 مليار دولار سنويًا، وهو ما يجعل ضمان مصادر تمويل متوقعة ومستدامة شرطًا أساسيًا لأي تقدّم حقيقي.
كما أبرز اليحياوي أهمية التعاون بين الدول المتجاورة في حماية النظم البيئية المشتركة، مؤكدًا أن الجبال والبحار لا تعرف الحدود السياسية، وأن حماية نظام بيئي داخل دولة واحدة قد تظل محدودة الأثر إذا لم تتكامل جهود الدول المجاورة.
واقترح في هذا الإطار تعزيز التعاون البرلماني الإقليمي لتقريب التشريعات والسياسات الخاصة بحماية النظم الجبلية والبحرية المشتركة، وتبادل البيانات والخبرات والتجارب الناجحة، ودعم المبادرات والمشروعات العابرة للحدود بين الدول المتجاورة، وإشراك المجتمعات المحلية والسكان الأصليين في تصميم هذه المبادرات وتنفيذها.
وأضاف أن الدول الجزرية والدول ذات المناطق الساحلية الممتدة تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع منسوب سطح البحر وارتفاع حرارة المياه وتحمّض المحيطات، ما يفرض تنسيقًا أوسع في مجالات الصيد المستدام وتهيئة السواحل وحماية الشعاب المرجانية والأشجار المانغروف، وهي أنظمة بيئية تشكل درعًا طبيعيًا ضد العواصف وموائل أساسية للتكاثر البحري.
وشدد اليحياوي على أن الدول النامية، بما فيها الدول العربية، تحتاج إلى أن تكون احتياجاتها وظروفها التنموية جزءًا أساسيًا من النقاش حول تنفيذ الأهداف البيئية العالمية، بحيث لا تتحول الالتزامات البيئية إلى أعباء إضافية على اقتصاداتها ومجتمعاتها، وإنما إلى فرصة لتعزيز التنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية وتنويع مصادر الدخل وتحسين سبل عيش المجتمعات المحلية.
واختتم مداخلته بالتأكيد على تطلعه إلى أن يعكس مشروع القرار المرتقب صدوره عن اللجنة هذه الاعتبارات، وأن يضع الدول النامية والتمويل وبناء القدرات والتعاون الإقليمي واحتياجات المجتمعات المحلية في صميم النقاش حول تنفيذ هدف الحفاظ على 30% من المساحات الطبيعية بحلول عام 2030، متطلعًا إلى أن تسفر مخرجات الجمعية العامة الـ153 للاتحاد البرلماني الدولي عن توصيات عملية قابلة للتنفيذ ومتابعة دورية لمدى الالتزام بها.

التعليقات