استغاثة إنسانية من طالبة مصابة بالسكري: عندما يصبح الرفق في الامتحانات حقاً لا امتيازاً
في لحظة تكشف عن مزيج مؤثر من الشجاعة والبراءة، أطلت الطالبة جوسبل ياسر، طالبة الصف الثاني الإعدادي بإحدى مدارس الرهبان التابعة لإدارة الشروق التعليمية، برسالة إنسانية تفيض رجاءً وأملاً، موجهة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، تناشدها فيها بمعاملة تراعي وضعها الصحي الحرج كطفلة تعتمد على الأنسولين وتعيش مع السكري من النوع الأول، دون أن تطلب لنفسها أي امتياز استثنائي أو معاملة تفضيلية.
رسالة طفلة: نطلب الرفق لا الاستثناءات
في مناشدتها التي لاقت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، أوضحت الطالبة أن ما تطمح إليه لا يتجاوز نظرة عطف ورحمة من المراقبين وأعضاء لجان الامتحانات، تدرك من خلالها طبيعة مرض السكري وقيوده الصحية التي لا يمكن تجاهلها داخل قاعة الامتحان.
وبكلمات بسيطة تعبر عن وعي مبكر يفوق عمرها، أكدت أنها لا تسعى إلى درجات مجانية ولا إلى امتيازات غير مستحقة، وإنما تطلب فقط أن يُراعى وضعها أثناء فترات التوتر والقلق المصاحبة للامتحانات، تلك الفترات التي تنعكس مباشرة على معدلات السكر في دمها.
«لست أبحث عن استثناء، بل عن قلب يفهم أن مرضي يرافقني حتى داخل لجنة الامتحان».
السكري في المدرسة: رفيق دائم لا يفارق الطفل
يفتح هذا النداء الإنساني باباً واسعاً أمام مسؤولي الوزارة لمراجعة آليات التعامل مع الطلاب المصابين بالأمراض المزمنة، وعلى رأسها السكري، وكيفية تهيئة بيئة امتحانية آمنة نفسياً وصحياً.
فالسكري ليس مرضاً عارضاً يزول، بل حالة مزمنة ترافق الطفل على مدار اليوم، وتتطلب قياساً منتظماً لمستوى السكر، وتدخلاً فورياً عند حدوث أي انخفاض أو ارتفاع مفاجئ، ما يضع الطالب تحت ضغط نفسي مضاعف أثناء الامتحانات التقليدية.
لماذا تزداد الخطورة أثناء الامتحانات؟
يرى الأطباء والمختصون أن فترة الامتحانات تمثل اختباراً صعباً لمرضى السكري من الأطفال، إذ يؤدي القلق والتوتر إلى إفراز هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، وهي هرمونات ترفع مستوى السكر في الدم، في حين قد يؤدي إهمال وجبة أو إطالة الجلوس دون راحة إلى هبوط حاد في السكر.
وتشمل المخاطر الأكثر شيوعاً داخل اللجان:.
- هبوط السكر (Hypoglycemia): ويسبب الدوار والرجفة والتعرق وعدم القدرة على التركيز.
- ارتفاع السكر (Hyperglycemia): ويؤدي إلى العطش الشديد وكثرة التبول والإرهاق.
- الحاجة الملحة لدخول الحمام: نتيجة اضطراب مستوى السكر أو شرب الماء.
- الحاجة لتناول وجبة خفيفة أو قياس السكر: داخل القاعة أو خارجها في أوقات غير مرغوبة.
- تأثير التوتر على التحصيل الدراسي: حيث تنخفض القدرة على الاستيعاب والتركيز.
ما الذي يحتاجه طالب السكري داخل لجنة الامتحان؟
لا يتطلب الأمر تغيير نظام الامتحانات، بل مجرد خطوات بسيطة تصنع فرقاً كبيراً في حياة الطالب، ومن أبرزها:
- السماح بإدخال أدوات القياس: جهاز قياس السكر وأشرطة القياس.
- السماح بوجبات خفيفة وماء: مثل العصير أو التمر أو الحلوى لعلاج الهبوط المفاجئ.
- السماح بدخول الحمام عند الحاجة: دون تعقيدات أو عقوبات.
- إمكانية الخروج من القاعة: للراحة أو التعامل مع أي حالة طارئة.
- توعية المراقبين: بأعراض هبوط وارتفاع السكر وكيفية التصرف السريع.
- توفير الرعاية الطبية: وجود طبيب أو ممرض أو مخزون أنسولين احتياطي باللجنة.
- مراعاة الوقت الإضافي: في حالات الحاجة للراحة أو التعامل مع الهبوط.
معاناة يومية تتجاوز حدود القاعة
خارج أسوار المدرسة، تعيش أسر الأطفال المصابين بالسكري رحلة يومية من القلق والمتابعة المستمرة.
فالدوام يعني حساب الجرعات، وتتبع الوجبات، وقياس السكر قبل وبعد الرياضة، والاستعداد لأي طارئ في أي لحظة.
وتقول كثير من الأمهات إنهن يواجهن صعوبة في الاعتماد على المدرسة لرعاية أبنائهن خلال ساعات الدوام، خاصة مع غياب توعية شاملة داخل بعض المدارس بأساسيات التعامل مع مرض السكري في مرحلة الطفولة.
نحو سياسة مدرسية واضحة لدعم أصحاب الأمراض المزمنة
يؤكد خبراء التعليم والطب أن الحل لا يكمن في استثناءات فردية تُمنح حسب الحالة، وإنما في إرساء سياسة مدرسية واضحة ومنظمة تعتمد على:
- ملف صحي موثق: يعتمد على تقرير طبي معتمد من كل طالب مصاب بمرض مزمن، يُحدّث سنوياً.
- بطاقة طوارئ: تحمل بيانات المرض وخطة التدخل السريع، تكون بحوزة مشرف اللجنة.
- تدريب الكوادر: تنظيم دورات توعية للمعلمين والمراقبين على الإسعافات الأولية الخاصة بالسكري.
- التنسيق مع الأسرة: قناة تواصل دائمة بين المدرسة وولي الأمر.
- توفير بنية داعمة: مثل غرفة رعاية صحية مجهزة وثلاجة لحفظ الأنسولين.
انتظار لموقف رسمي حاسم
تترقب الأوساط التعليمية وأولياء الأمور تحركاً عاجلاً من وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، لإصدار توجيهات واضحة للمديريات التعليمية ولجان الامتحانات، تضمن مراعاة الحالة الصحية للطلاب والطالبات من أصحاب الأمراض المزمنة، وتوفير التسهيلات الطبية الضرورية داخل اللجان، لتصبح الامتحانات بيئة عادلة وآمنة للجميع، تحفظ صحة أبنائنا كما تحفظ حقهم في التعلم.
خاتمة: طفلة تُعلّم الكبار معنى الرحمة
قد لا يدرك كثيرون قوة رسالة خرجت من قلب طفلة صغيرة، لكنها وضعت أمام المسؤولين سؤالاً كبيراً: هل يمكن أن تكون الرحمة في الامتحانات حقاً يُكفله النظام التعليمي لكل طالب مريض، لا جميلاً يُمنح أحياناً؟ ما طلبته جوسبل لم يكن امتيازاً، بل أن يُرى المرض، ويُفهم، ويُراعى.

التعليقات