حكم أخذ الثمار الساقطة من أشجار الغير: فتوى رسمية تحسم الجدل
يتكرر مشهد سقوط الثمار من أشجار الجيران أو المزارع الخاصة على الطرقات والأراضي المجاورة في القرى والمدن على حد سواء، وهو موقف يومي يثير تساؤلات شرعية وقانونية حول حكم أخذ هذه الثمار وتناولها دون إذن مسبق من أصحابها.
وقد تصدت دار الإفتاء المصرية لهذه المسألة بفتوى مفصلة تضع حداً للخلاف وتوضح الحدود الشرعية التي تحكم هذا السلوك.
الأصل الشرعي في حرمة أموال الناس
أكد الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن القاعدة الشرعية الأساسية تقضي بأن الأصل في أموال الناس وممتلكاتهم هو الحرمة، فلا يجوز الاستيلاء على أي شيء منها إلا برضا تام وصريح من المالك.
وتستند هذه القاعدة إلى نصوص شرعية واضحة تحرم أكل أموال الناس بالباطل، وتؤكد على احترام الملكية الفردية وصيانتها.
وأوضح أمين الفتوى أن سقوط الثمار بفعل الرياح أو العوامل الطبيعية لا يُسقط بحال من الأحوال حق الملكية عن صاحب الشجرة، لأن الملكية قائمة على الأصل ولا تزول بمجرد خروج الثمرة من الشجرة أو وقوعها على الأرض.
ضوابط العرف والشرع في التعامل مع الثمار الساقطة
بيّنت دار الإفتاء أن العرف العام والشرع الشريف يضعان ضوابط دقيقة تحكم حالات سقوط الثمار، حيث تختلف الأحكام الشرعية بناءً على عدة عوامل رئيسية، منها:
- نية الآخذ: هل يقصد أخذ الثمرة بصفة عارضة أم يجعلها عادة مستمرة في الاستيلاء على مال غيره.
- قيمة الثمار: مقدار ما تسقطه الشجرة وما إذا كان ذا قيمة مالية معتبرة.
- عرف الناس في المحيط: ما اعتاد عليه أهل القرية أو المدينة من التسامح أو التشدد في مثل هذه الحالات.
التفريق بين اللقطة اليسيرة والثمار ذات القيمة
قسّمت دار الإفتاء الثمار الساقطة إلى نوعين رئيسيين لكل منهما حكمه الشرعي الخاص:
النوع الأول: اللقطة اليسيرة التي لا يكترث لها المالك
إذا كانت الثمار تسقط بكميات زهيدة ومتروكة لا يهتم بها صاحبها، واعتاد الناس على أخذها على سبيل التسامح والعرف المتبادل، فلا حرج في أخذها إن شاء الله.
ويدخل هذا النوع تحت ما يعرف في الفقه الإسلامي بـ«اللقطة اليسيرة» أو «اليسير الذي لا يكترث به المالك»، وهو ما تسامح فيه الشرع رفعاً للحرج ومراعاة للعرف الجاري بين الناس.
النوع الثاني: الثمار ذات القيمة المالية المعتبرة
أما إذا كانت الثمار ذات قيمة مالية معتبرة، وكان صاحبها يجمعها ويحرص عليها، فلا يجوز أخذها بحجة أنها سقطت على الأرض، لأن ملكية صاحب الشجرة تبقى قائمة عليها تماماً كما كانت وهي على الشجرة.
ويُعد أخذ هذه الثمار دون استئذانه تعدياً على أموال الغير بغير حق، وهو أمر محرم شرعاً.
الحكمة من التفريق بين الحالتين
تكمن الحكمة في هذا التفريق في أن الشريعة الإسلامية تراعي مقصد حفظ المال من جهة، وترفع الحرج وتيسر على الناس من جهة أخرى.
فحين يكون الشيء قليلاً لا قيمة له ولا يكترث به المالك، يكون التسامح في أخذه منسجماً مع قواعد التيسير والعرف، أما حين يتعلق الأمر بمال معتبر، فإن قاعدة حرمة أموال الناس تتقدم وتوجب الاستئذان.
نصائح عملية للمواطنين
انطلاقاً من هذه الفتوى، يمكن تلخيص النصائح العملية التي ينبغي على المواطنين مراعاتها في الآتي:
- الاستئذان المسبق من صاحب الشجرة قبل أخذ أي ثمار ذات قيمة.
- عدم اعتبار سقوط الثمرة على الأرض مبرراً لتملكها.
- مراعاة العرف السائد في المنطقة وحدود التسامح المتعارف عليها.
- الالتزام بقاعدة حفظ أموال الآخرين إعمالاً للأصل الشرعي في الحرمة.
- التواصل مع الجهات الرسمية أو أهل العلم عند الاختلاف في تقدير قيمة الثمار وحكمها.
الخلاصة
تؤكد دار الإفتاء المصرية أن أكل الثمار الساقطة من أشجار الغير دون إذن يخضع لمعيار القيمة والعرف.
فاليسير الذي لا يكترث به المالك متسامح فيه، أما ما له قيمة معتبرة فإن أخذه دون إذن محرم شرعاً، لأن الملكية لا تسقط بسقوط الثمرة على الأرض.

التعليقات