خلال فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، استعاد الناقد الفني ومنظم المعارض والأستاذ بالمدرسة العليا للفنون البصرية محمد رشدي المسار الفكري والنقدي للفنانة والكاتبة والناقدة الإيطالية طوني ماريني، كاشفًا عن بصماتها العميقة في المشهد التشكيلي المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، وعن دورها المحوري في صياغة أسئلة الحداثة الفنية والنقدية وفي إعادة التفكير في علاقة الفن بالتراث المحلي.
حضور مؤسِّس في نشأة الفن المغربي الحديث
شدّد رشدي على أن وجود طوني ماريني في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء خلال الستينيات شكل منعطفًا حاسمًا في مسار الفن المغربي الحديث، إذ اشتغلت إلى جانب أسماء لامعة ساهمت في رسم ملامح الحداثة التشكيلية المغربية، من قبيل فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة.ولم يقتصر أثر ماريني، بحسب المتحدث، على حضورها داخل الفصل الدراسي، بل امتد عبر التدريس النظري والتطبيقي ليصل إلى أجيال متعاقبة من الفنانين والمبدعين، تاركة إرثًا وطيدًا في التفكير البصري وفي تطور الحركة الفنية بالمغرب.حداثة مفتوحة على الذاكرة المحلية
توقف رشدي عند واحد من أهم الأسئلة التي لازمت تجربة ماريني بالمغرب، وهو سؤال كيفية بناء حداثة فنية وطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار دون أن تنقطع الصلة بالتاريخ والتراث.وأوضح أنها دافعت عن مفهوم للحداثة لا يقوم على استنساخ النموذج الغربي، بل ينطلق من المرجعيات الثقافية والجمالية المحلية، مع إبقاء الأبواب مفتوحة أمام التجارب والتيارات الفنية العالمية.ومن هذا المنطلق، أولت ماريني عناية خاصة للفنون الشعبية والحرف التقليدية والأشكال البصرية الموروثة والثقافة البصرية المغربية، باعتبارها مكوّنات جوهرية قادرة على تأسيس لغة فنية معاصرة.ولفت رشدي إلى أن راهنية هذا التصور تكمن في أنه لم يواجه التراث بالحداثة، بل جعله أحد الروافد التي تستند إليها الحداثة المغربية، بما يمكّن الفنان من بناء تجربته الذاتية بعيدًا عن التقليد والمحاكاة.
النقد الفني: بحث معرفي وذاكرة جماعية
انتقل رشدي إلى تجربة ماريني في الكتابة النقدية، مؤكدًا أن نصوصها التي أنجزتها خلال العقود الثلاثة (الستينيات والسبعينيات والثمانينيات) تشكل اليوم مادة أساسية لفهم التحولات التي عرفها الفن المغربي.وبيّن أن قيمة هذه الكتابات لا تتحدد بموضوعاتها فحسب، بل أيضًا بمنهج اشتغالها المتسم بالوضوح والدقة والصرامة التوثيقية، وهو ما جعلها جزءًا أصيلًا من الذاكرة النقدية للفن المغربي.واستحضر في هذا السياق نص ماريني الصادر عام 1997 بعنوان «من يخاف الفن؟ عناصر من أجل نقاش حول النقد في المغرب»، مشيرًا إلى أنها قدّمت فيه تصورًا لدور الناقد يتجاوز إصدار الأحكام والانطباعات الذاتية.فالناقد، في هذا الرؤية، ليس حاكمًا للذوق بل باحث ومؤرخ ووسيط ناقل للمعرفة، قادر على قراءة العمل الفني ضمن سياقه الثقافي والتاريخي، وعلى مدّ الجسور بين الفنان والجمهور وبين التجربة الفنية ومحيطها الفكري.
فكر متحرك لا يتوقف عند الماضي
أبرز رشدي أن من أبرز سمات ماريني الفكرية انفتاحها الدائم على التجارب الفنية الجديدة، ورفضها الاكتفاء بما راكمته من معرفة وخبرة على مدى عقود.فقد ظلت تتابع النقاشات الجديدة حول الفن المعاصر، وتهتم بالكتابات والتجارب التي برزت بعد مرحلتي الستينيات والسبعينيات، مستشهدًا بتفاعلها مع مقال نشره رشدي في مجلة «لا غاليري» عام 2008.واعتبر أن هذا الانفتاح يعكس فكرًا متحركًا لا يتعامل مع المعرفة كحقيقة مكتملة، بل كمسار دائم للبحث وإعادة التفكير.
إرث نقدي يستمر في إثارة الأسئلة
خلص محمد رشدي إلى أن تجربة طوني ماريني في النقد الفني لم تكن مجرد ممارسة مهنية، بل شكلت التزامًا فكريًا ومشروعًا متواصلًا للبحث في الفن المغربي وتحولاته.وهو ما جعل كتاباتها مرجعًا مهمًا لفهم مرحلة تأسيسية من تاريخ الفن المغربي الحديث، وذاكرة نقدية لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة حول علاقة الفن بالتراث والحداثة والمجتمع.

التعليقات