في ندوة تكريمية نظمت ضمن فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، قدّم الباحث والروائي عبد الرحيم كمال، الأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، مقاربة نقدية للمشروع الفكري والجمالي للكاتبة والناقدة طوني ماريني، وذلك عبر مداخلة بعنوان «الكتابات الصامتة حسب طوني ماريني: اللغة والذاكرة والخيال»، توقّف فيها عند الأبعاد العميقة التي توجّه تصورها للفن، وعند الرموز والأشكال التي تشتغل في صمت داخل الذاكرة البصرية والثقافية.
انطلاق المداخلة: شكر وتقديم لمشروع قادم
افتتح كمال مداخلته بتوجيه الشكر إلى الجهة المنظمة وإلى طوني ماريني، كاشفًا عن اتفاق مبدئي بينهما على أن تكتب الأخيرة مقدمة لكتابه المرتقب، وهو «قاموس صغير معلل» يحصر المفاهيم والمصطلحات والأفكار المتكررة في كتابات ماريني عن الفن.
وأشار إلى أن عمله يندرج ضمن محاولة لقراءة تجربة ماريني من زاوية خاصة، من خلال دراسة تحمل عنوانًا فرعيًا هو «طوني ماريني: العين، الفكر والثقافة»، معتبرًا أن كتاباتها تمثل تجربة فارقة في الخطاب حول الفن، لأنها تطرح إشكالات ما تزال تحتفظ براهنيتها.
ثلاثة مبادئ أساسية في فكر طوني ماريني
حدّد كمال ثلاثة مبادئ رئيسية تحكم تفكير ماريني.
الأول يتجلى في رفض المركزية الإثنولوجية الغربية عند النظر إلى الثقافات والفنون.
الثاني يقوم على مسار نقدي انعكاسي يقود إلى ما سماه «تغريب الذات»، أي إعادة النظر في موقع الذات أمام الآخر.
أما الثالث، فيرتبط بالكشف عن الميتافيزيقا الكامنة خلف التقنية، أي البحث فيما يتجاوز الظاهر من أشكال وأساليب فنية للوصول إلى الدلالات الثقافية والفكرية التي تحملها.
كما عرض الباحث ثلاثة منطلقات في تصور ماريني، وهي «الحداثة الحرارية»، التي لا تتعامل مع الحداثة كمعيار عالمي ثابت بل كموقع استراتيجي لمعالجة قضايا محددة، إلى جانب مفهوم حياة الأشكال ومفهوم «الداخل المزدوج».
اللغة الخفية خلف الأشكال
في المحور الأول من مداخلته، ركّز كمال على مفهوم اللغة، مستعيدًا اهتمام ماريني باللغات السرية والأشكال القديمة والمنسية التي تشكّل طبقة صامتة في الأعمال الفنية، وخاصة في التجربة المغربية.
وأشار إلى حضور هذه الرؤية في قراءاتها لأعمال عدد من الفنانين المغاربة، من بينهم محمد شبعة، ومحمد القاسمي، وأحمد الشرقاوي، ومحمد المليحي، وفريد بلكاهية، ومحمد الغرباوي، حيث لا تتوقف القراءة عند الشكل المباشر، بل تبحث في الجذور الرمزية والثقافية التي تختزنها الأعمال.
واستحضر في هذا السياق جملة من العلامات والأشكال في الثقافة البصرية، مثل علامة تانيت، والماندالات ما قبل التاريخية، والخطوط المتعرجة، والمضلعات النجمية، والمثلثات والثعبان، وقداسة الحناء، معتبرًا أنها مفاتيح لفهم طبقات أعمق من الذاكرة الفنية.
وبحسب كمال، فإن هذا الاشتغال يفتح الفن الحديث على بعد أنثروبولوجي، حيث تتقاطع الذاكرة المشتركة والرموز القديمة مع التجارب الفنية الحديثة، بما يسمح بإعادة التفكير في العلاقة بين الثقافات بعيدًا عن التقسيمات الجامدة.
الذاكرة بوصفها «أركيولوجيا» للخيال
انتقل كمال إلى المحور الثاني المتعلق بالذاكرة، متوقفًا عند مفهوم «الذاكرة الأركيولوجية» باعتبارها مخزونًا من الإمكانات والخيالات التي تظل كامنة إلى أن تجد طريقها إلى التجسيد في العمل الفني.
وأوضح أن هذه الذاكرة لا تعمل بطريقة واحدة، بل تتحرك عبر الطفرة والانقطاع والاستمرارية المباشرة أو الخفية، لتظهر في أشكال جديدة تحمل آثارًا من طبقات سابقة.
وانطلاقًا من ذلك، ينظر كمال إلى مجال الفن كفضاء يشبه «الطِرس» (Palimpseste)، حيث تتراكم الكتابات والآثار فوق بعضها ثم يعاد محوها وكتابتها باستمرار.
وفي هذا التصور، يصبح العمل الفني إعادة كتابة دائمة للعالم، فلا تكون اللوحة أو الصورة مجرد شكل نهائي، بل نتيجة تفاعل الذاكرة والخيال والتجربة الشخصية مع ما راكمته الثقافة من رموز وصور.
الخيال: ما وراء المرئي
أما المحور الثالث المتعلق بالخيال، فأشار كمال إلى أنه يمتد امتدادًا طبيعيًا لمفهومي اللغة الخفية والذاكرة، باعتباره المجال الذي تتفاعل داخله العلامات والرموز والطبقات الثقافية غير المرئية.
ورأى أن استحضار هذه المستويات في قراءة تجربة طوني ماريني يكشف عن مشروع يتجاوز الوصف المباشر للأعمال الفنية، ليبحث في ما تقوله الأشكال بصمت، وما تختزنه من ذاكرة تاريخية وثقافية، وما يمكن أن تستعيده من معانٍ في الحاضر.
وختم عبد الرحيم كمال مداخلته بتقديم تجربة طوني ماريني كمشروع فكري وجمالي مفتوح، يجعل من الفن مجالًا للبحث في اللغة والذاكرة والخيال، ويعيد النظر في العلاقة بين القديم والحديث، وبين الذات والآخر، وبين الشكل الظاهر والطبقات العميقة التي تمنحه معناه.

التعليقات