طوني ماريني: مسيرة فكرية وثقافية من طنجة إلى ذاكرة الفن المغربي
في ندوة تكريمية احتضنتها مدينة أصيلة، أعاد الشاعر والروائي محمد الأشعري، عضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، رسم محطات بارزة من المسار الفكري والثقافي للكاتبة والناقدة طوني ماريني، مسلطاً الضوء على ارتباطها المبكر بالفن المغربي ودورها في مواكبة تحولات المشهد التشكيلي والفكري في المملكة.
لقاء طنجة 1963: لحظة كاشفة
استحضر الأشعري في شهادته صيف عام 1963، حين زارت طوني ماريني المغرب لأول مرة، وتحديداً مدينة طنجة، حيث التقت في أحد مقاهيها بالفنانين محمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي، بعد أن سبق لها الاطلاع على بعض أعمالهم في روما.
وقد اعتبر الأشعري ذلك اللقاء لحظة كاشفة عن أسئلة مرحلة كاملة، إذ شهد نقاشاً حاداً ومتحمساً حول وضعية الفن المعاصر في المغرب، مصحوباً بانتقادات للبنية الثقافية والبيروقراطية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، فضلاً عن تطلع جيل من الفنانين والمثقفين إلى بناء مشروع فني وثقافي جديد للمغرب.
البناء المشترك وضيافة الآخر
توقف الأشعري عند أحد المفاتيح الأساسية في تجربة ماريني، ألا وهو فكرة «البناء المشترك»، موضحاً أنها لم تتعامل مع الثقافة من موقع المراقب الخارجي، بل انخرطت في العمل الميداني والتجارب الجماعية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتصورات الإيديولوجية المسبقة.
وفي هذا السياق، استحضر الأشعري مفهوم «ضيافة الآخر» لدى المفكر عبد الكبير الخطيبي، وما يتصل به من فكرة «الضيافة المزدوجة»، حيث يصبح كل طرف مضيفاً وضيفاً في آن واحد، مؤكداً أن ماريني عاشت هذه التجربة الثقافية بانفتاح وشغف، وحوّلت الاختلاف إلى مساحة للتفاعل والإبداع.
محطات ثقافية وفنية بارزة
أشار الأشعري إلى مشاركة ماريني في عدد من المحطات الثقافية والفنية المهمة، من بينها تجربة مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء إلى جانب الفنان فريد بلكاهية، ومجلة «أنفاس»، وتجربة «إنتغرال»، باعتبارها فضاءات ساهمت في تشكيل أسئلة الفن والثقافة والحداثة بالمغرب.
سؤال الحداثة والتراث
سلّط الأشعري الضوء على الأسئلة التي أثارتها ماريني حول تاريخ الفن الحديث في المغرب، وفي مقدمتها العلاقة بين الحداثة والتراث: هل يمثل الفن الحديث امتداداً لتاريخ مغربي معاصر، أم تجربة وافدة، أم تعبيراً فنياً مرتبطاً بتشكّل الهوية الوطنية؟
وأوضح أن ماريني لم تتعامل مع هذه الأسئلة بالكتابة عن الفن المعاصر فقط، بل كانت تعود إلى الفن القديم والتراث وتبحث في جذورهما، سعياً إلى فهم التحولات التي عرفها الفن المغربي وموقعها ضمن سياقه التاريخي والثقافي.
واستشهد الأشعري بما أوردته ماريني من أفكار للباحث رودولف أرنهايم حول الفن الحديث بوصفه نتيجة لتحول تاريخي طويل، مؤكداً أن فهم الماضي يظل ضرورياً لفهم دلالات التحولات الفنية الجديدة.
الذاكرة الفنية في مواجهة النسيان
في الجزء الأكثر تأثيراً من شهادته، توقف الأشعري عند التحولات التي شهدها المشهد الفني المغربي منذ لقاء طنجة الأول عام 1963، مستحضراً رحيل عدد من رواد تلك المرحلة، ومن بينهم محمد المليحي ومحمد شبعة ومحمد عطا الله.
وربط الأشعري بين رحيل هؤلاء الفنانين وسؤال الذاكرة الفنية المغربية، محذراً من ضياع جانب من التاريخ الشخصي والفني لرواد الحركة التشكيلية بسبب ضعف التدوين والتوثيق.
واستعاد في هذا السياق السؤال الذي طرحته ماريني عقب وفاة الفنان أحمد إدريس يعقوبي: «من أنت، أو ماذا كنت؟»، معتبراً أنه سؤال يتجاوز شخص الفنان ليصبح سؤالاً عن الذاكرة نفسها، وعن قدرة الثقافة المغربية على حفظ شهادات وتجارب من ساهموا في بناء تاريخها الفني الحديث.
مقاومة النسيان وحفظ الذاكرة
اختتم الأشعري شهادته بالتأكيد على أهمية الدور الذي لعبته طوني ماريني في الكتابة والتوثيق والنقد، باعتبارها واحدة من الأصوات التي ساهمت في مقاومة النسيان، وحفظ جانب من ذاكرة الفن المغربي وتحولاته، من خلال الاقتراب من الفنانين وتجاربهم والانخراط في أسئلتهم بدل الاكتفاء بالحديث عنهم من بعيد.

التعليقات