التخطي إلى المحتوى

في تطور مفاجئ يعيد ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية ويشعل نقاشات حادة في العواصم الكبرى، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات مثيرة كشف فيها عن تقديرات جديدة تخص حجم الترسانة النووية الكورية الشمالية، في الوقت الذي واصل فيه التشديد على موقفه المتصلب تجاه البرنامج النووي الإيراني، ما رسم مقارنة صارخة بين الملفين وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول استراتيجية واشنطن في التعامل مع كل منهما.

بيونج يانج تحت ضوء واشنطن: ترسانة تضاهي قوى عظمى

أوضح ترامب في تصريحاته الأخيرة أن كوريا الشمالية نجحت خلال السنوات الماضية في بناء قدرات عسكرية ضخمة تشكل مصدر قلق متزايد للمجتمع الدولي، مشيراً إلى أن نظام كيم جونج أون يمتلك حالياً ما يقارب 112 صاروخاً نووياً جاهزاً للاستخدام، وهو رقم يعكس تحول بيونج يانج إلى قوة نووية فعلية لا يمكن تجاهلها في المعادلات الأمنية الإقليمية والعالمية.ويشير خبراء الحد من التسلح إلى أن هذا العدد من الرؤوس والصواريخ يتجاوز بكثير ما كان متوقعاً في العقود الماضية، إذ تمكنت كوريا الشمالية من تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، إلى جانب صواريخ متوسطة وقصيرة المدى تهدد القواعد العسكرية الأمريكية في شرق آسيا وحلفاءها مثل كوريا الجنوبية واليابان.

كما طورت بيونج يانج صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت وأنظمة إطلاق من الغواصات، ما يوسع نطاق التهديد ويصعّب مهمة أي دفاع صاروخي.

الفارق الجوهري بين الملفين الكوري والإيراني

في الجزء الأكثر حساسية من تصريحاته، شدد ترامب على أن التعامل مع الملف النووي الإيراني يجب أن يبقى مختلفاً تماماً عن النهج المتبع مع كوريا الشمالية، مؤكداً بلهجة حاسمة أن طهران لن تُمنح أي فرصة لامتلاك حتى صاروخ نووي واحد، ومغلقاً الباب أمام أي تكهنات حول تراجع واشنطن عن هذا الموقف الثابت.ويرى محللون أن هذه المقارنة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، فبينما قبلت واشنطن على مضض واقع كون كوريا الشمالية قوة نووية بحكم الأمر الواقع، فإنها تعتبر منع إيران من الوصول إلى العتبة النووية خطاً أحمر غير قابل للتفاوض، مستندة إلى شبكة واسعة من العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية ومراقبة وكالة الطاقة الذرية، إضافة إلى التهديد المستمر بالخيار العسكري كملاذ أخير.

انعكاسات التصريحات على المشهد العالمي

تثير هذه التصريحات جملة من التساؤلات حول مستقبل نظام الحد من الانتشار النووي، خاصة مع تزايد النقاش حول دول أخرى قد تسعى لامتلاك قدرات مماثلة.

ويحذر خبراء من أن استمرار الشرخ بين معايير التعامل مع الملفات النووية قد يدفع بعض الأطراف إلى اعتبار الترسانة النووية وسيلة الحماية الوحيدة، ما قد يفتح سباق تسلح جديداً في مناطق التوتر مثل الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية.في المقابل، يرى البعض أن التلويح بالضغوط القصوى على إيران يعكس رغبة أمريكية في إبقاء الورقة النووية خارج يد طهران، ليس فقط لأسباب أمنية مباشرة، بل أيضاً للحفاظ على نفوذ واشنطن الإقليمي وتوازنات القوى مع حلفائها في الخليج وإسرائيل.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: هل ينجح هذا النهج المزدوج في احتواء الملفين، أم أنه يدفعهما نحو مسارات أكثر تعقيداً وخطورة؟ويرى مراقبون أن الملفين النوويين الإيراني والكوري الشمالي سيظلان في مقدمة أجندة السياسة الخارجية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، مع ترقب دائم لأي تحول في موازين القوى أو تطورات دبلوماسية قد تغيّر قواعد اللعبة، بينما يواصل المجتمع الدولي البحث عن صيغة توازن بين الردع والتفاوض دون المساس بأمن المنطقة والعالم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *