مقدمة: معركة جديدة على منصات التواصل
ما بين حملة «لا لتجهيز الرجل المصري» و«نعم لزواج الأجانب»، وجد العريس الصيني نفسه فجأة في قلب نقاش ساخن يجتاح منصات التواصل الاجتماعي، وكأن الزواج لم يعد رابطًا إنسانيًا بقدر ما تحول إلى ملف مفتوح للمزايدات والانقسامات.
وبينما تنقسم التعليقات بين من يستشهد بعادات وتقاليد الدول العربية الأخرى مهما كانت الظروف الاقتصادية أو قيمة العملة، وبين من يصل إلى نتيجة تبدو عبقرية على السطح: «إذن نتزوج صينيًا!»، يبدو أن الحلبة مفتوحة على مصراعيها للمناطحة بين الجنسين.
لكن اسمحوا لي أن أوقف هذا السباق قليلًا لنسأل: هل نتحدث عن الزواج فعلًا، أم نقارن بين عروض الأجهزة الكهربائية؟.
المشكلة الحقيقية: الزواج كصفقة مالية
المشكلة الحقيقية ليست في أن مصرية تزوّجت صينيًا، ولا في أن مصرية رفضت تجهيز الرجل المصري، بل في المعيار الذي نتزاحم على فرض وجهات النظر حوله دون أن ندرك أننا بدأنا نتعامل مع الزواج وكأنه صفقة مالية بحتة: من دفع؟ من جهّز؟ من أحضر الشقة؟ ومن كان أقل تكلفة؟
والحقيقة أن حملة «لا لتجهيز الرجل المصري» فتحت بابًا لنقاش حقيقي ومشروع حول ارتفاع تكاليف الزواج، والأعباء المتزايدة التي تتحملها الأسر، وتحول بعض العادات إلى متطلبات مرهقة تجعل الزواج أكثر صعوبة على الشباب، خصوصًا في ظل الأزمات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتآكل قيمة العملة.
الرجل المصري مقابل الأجنبي: مقارنة بلا معيار
في الوقت نفسه، ظهرت على منصات التواصل مقارنات بين الرجل المصري والرجل الأجنبي، وتحديدًا الصيني، فبين من يطرح السلبيات وبين من يتفاخر بالمظاهر، نسينا أن نسأل سؤالًا جوهريًا: هل الجنسية هي التي تحدد صلاحية الرجل للزواج؟
الواقع أن في كل مجتمع رجلًا مسؤولًا ورجلًا غير مسؤول، والزواج من أجنبي قد يكون تجربة ناجحة، لكنه يحمل في الوقت نفسه تحديات حقيقية تتعلق باللغة والثقافة والقانون ومكان الإقامة وتربية الأبناء، وقد تظهر هذه التحديات بوضوح بعد انتهاء مرحلة الانبهار الأولى.
الجنسية ليست شهادة اجتياز
لذلك لا يكفي أن نشاهد تجربة ناجحة لزوجة مصرية مع زوجها الصيني لنقرر أن هذا هو الحل لمشكلة الزواج في مصر، كما لا يصح أن نحوّل الرجل المصري إلى متهم لمجرد أنه لا يستطيع تحمّل جميع تكاليف الزواج.
فالقدرة المالية ليست شهادة صلاحية، والجنسية ليست شهادة اجتياز للأزمة مصدقة، والتجهيزات ليست ضمانًا لنجاح الزواج.
فبدلًا من أن نسأل: «المصري أم الصيني؟»، ربما يكون السؤال الأهم: «هل نحن أصلًا نعرف كيف نختار شريك الحياة؟».
معايير الاختيار الحقيقية
اختيار شريك الحياة يبدأ من إنسان يعرف معنى المسؤولية، ويجيد شرط القوامة كرجل، وامرأة تعرف حقوقها وتؤدي واجباتها، واتفاق واضح واحترام متبادل.
فأما الزواج الذي يبدأ بسؤال «من سيجهّز من؟» فقد نكتشف بعد كل هذا الجدل أن المشكلة لم تكن في العريس المصري ولا في العريس الصيني، بل في أننا نسينا أن أهم ما يحتاج إليه الزواج ليس جهازًا ولا قائمة ولا جنسية مختلفة، وإنما إنسان مستطيع نفسيًا وخلقيًا وصحيًا قبل الاستطاعة المادية.
الزواج يحتاج عقلًا واعيًا… والعقل، للأسف، لا يُكتب في قائمة المنقولات.
خاتمة: من المناطحة إلى المسؤولية
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب إعادة تعريف مفهوم الزواج في وعينا الجماعي، من صفقة تُقاس بالتكاليف إلى شراكة تقوم على الوعي والمسؤولية والتكافل.
وهذا لا يعني تجاهل الأعباء الاقتصادية الحقيقية، بل يعني التعامل معها عبر حلول عملية مثل تخفيف نفقات الزواج، وتوعية المقبلين عليه بمعايير الاختيار السليمة، وتشجيع الحوار بين الأزواج حول الأدوار والمسؤوليات قبل عقد القران لا بعده.

التعليقات