التخطي إلى المحتوى

تحوّلت التصريحات التي أطلقها عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، خلال حلقة حديثة من البودكاست الشهير الذي يقدّمه الممثل الكوميدي ثيو فون، إلى واحدة من أكثر القصص تداولاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن ردّ فيها رداً مباشراً على ذكر اسمه بالاسم من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ولم يقتصر ردّ ممداني على تصفية الحساب الشخصي مع نتنياهو، بل رفع سقف المطالب إلى مستوى السياسة الخارجية الأمريكية كاملة، إذ جدّد دعوته لواشنطن بالانضمام الفوري إلى نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وهي خطوة ترفضها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 2002 على خلفية مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية وإمكانية ملاحقة جنود ومسؤولين أمريكيين.

ما الذي طالب به ممداني تحديداً؟

خلال اللقاء، شدّد عمدة نيويورك على أن انضمام الولايات المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية يمثل خطوة محورية لا غنى عنها، وأكد أن هذه الخطوة يجب أن تُترجم عملياً إلى التعاون في تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق الشخصيات المطلوبة قانونياً، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، في تحدٍّ صريح للسياسات التي ترفض الاعتراف بولاية المحكمة على هذا الملف.

ويأتي هذا الموقف في وقت أصدرت فيه الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إلى جانب قائد في حماس، على خلفية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتعلق بملف الغذاء في غزة واستهداف المدنيين.

وتُلزم مذكرات التوقيف الدول الأعضاء في المحكمة (وهي 125 دولة) باعتقال المطلوبين حال دخولهم أراضيها، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا من الدول الموقّعة على نظام روما.

لماذا يصطدم هذا المطلب بالواقع الأمريكي؟

يُثير طلب ممداني إشكالاً قانونياً وسياسياً معقداً، فبينما يضع انضمام واشنطن نظرياً فاعلية أكبر في تنفيذ المذكرات، فإن هناك معوقات فعلية: أولاً، وجوب مصادقة مجلس الشيوخ على المعاهدة، وهو ما كان قد عبّر عن رفضه بشكل واضح في سنوات سابقة.

ثانياً، صدور قانون «حماية أفراد الخدمة الأمريكية» عام 2002، الذي يجيز استخدام القوة لتحرير أي أمريكي أو حليف محتجز لدى المحكمة، وهو قانون وُصف بأنه «غزو لغزو لاهاي».

يُضاف إلى ذلك أن نيويورك، بوصفها مدينة وليس دولة، لا تملك صلاحية على السياسة الخارجية أو المعاهدات الدولية، ما يجعل تصريحات العمدة ذات وزن رمزي وسياسي كبير، وإن كانت غير مُلزمة قانونياً للحكومة الفيدرالية.

الخلفية السياسية للاحتكاك

تندرج هذه المواجهة في سياق توتر ممتد بين القيادات المحلية الأمريكية ذات التوجهات التقدمية والسياسات الإسرائيلية، وقد أصبح ممداني — أول عمدة مسلم لمدينة نيويورك — رمزاً لهذه المواجهة بعد أن تحوّل إلى هدف مباشر لتصريحات نتنياهو من منصة الأمم المتحدة، حيث استُهدف اسمه في خطاب رسمي، وهو أمر نادر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.

يشير المراقبون إلى أن هذه التطورات تعكس تحولاً في بنية النقاش الداخلي الأمريكي حول إسرائيل، حيث باتت المواقف المؤيدة لفلسطين والمطالبة بالمساءلة القانونية حاضرة في مناصب تنفيذية عليا، لا مجرد مواقف ناشطية أو طلابية.

ويُتوقع أن تترك هذه القضية آثاراً على نقاشات مستقبلية متعلقة بالتمويل الفيدرالي للمدن، وعلاقة الإدارات المحلية بالمنظمات اليهودية الأمريكية المؤيدة لتل أبيب.

ما الذي يجب متابعته بعد ذلك؟

يبقى السؤال الأهم: هل سيقتصر الأمر على تصريحات إعلامية، أم سيتحول إلى تحرك مؤسسي؟ يمكن متابعة ثلاثة مسارات: الأول مضمون، وهي أي إجراءات قانونية أو ضغوط سياسية متبادلة بين نيويورك وإسرائيل.

الثاني، أي رد أمريكي رسمي على الدعوة، وهل ستكتفي الإدارة بالصمت أم ستصدر رداً تعترض فيه على تصريحات العمدة.

الثالث، مدى تأثير هذا الملف على مناخ الانتخابات المقبلة داخل الولايات المتحدة، حيث تحوّلت مسألة المساءلة القانونية إلى معيار انتخابي في عدد من الدوائر.

في المحصلة، لم يكن تصريح ممداني مجرد رد شخصي على خطاب نتنياهو، بل حلقة جديدة في ملف أوسع يلامس حدود السلطة بين المدن والإدارة الفيدرالية، ويعيد الاعتبار لسؤال معتّق: هل يمكن أن تصبح المحكمة الجنائية الدولية أداة ضغط حقيقية في السياسة الأمريكية، أم سترفض واشنطن دائماً الانضمام إليها بغض النظر عن الاعتبارات القانونية والأخلاقية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *