تحوّلت مدينة العلمين الجديدة، خلال سنوات قليلة فقط، من مشروع عمراني طموح على ساحل البحر المتوسط إلى منصة دبلوماسية واقتصادية ذات وزن قاري، بعد أن باتت وجهة ثابتة للفعاليات الكبرى التي تُعنى بمستقبل القارة الإفريقية.
ولم يعد الحديث عن المدينة مقصوراً على ما تمتلكه من شواطئ خلابة ومنشآت حديثة، بل تجاوز ذلك إلى دورها المحوري في صياغة أولويات التنمية المشتركة بين دول الجنوب.
منتدى “العلمين- إفريقيا”.
رؤية مصرية لتمكين القارة.
في هذا الإطار، أكد الدبلوماسي البارز السفير محمد أبو بكر، نائب وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أن الفعاليات الكبرى التي تستضيفها المدينة حالياً تمثل نقلة نوعية حقيقية في مسار العمل الإفريقي المشترك، مشيراً إلى أن انطلاق فعاليات منتدى “العلمين- إفريقيا” بالتزامن مع قمة الدول المؤسسة لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية والمعروفة اختصاراً بـ”النيباد”، إلى جانب الاجتماعات التنسيقية المصاحبة، يعكس الدور الريادي لمصر داخل القارة السمراء.
وأوضح نائب وزير الخارجية أن هذه اللقاءات رفيعة المستوى تستهدف توحيد الجهود الإفريقية، وتسريع وتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وترجمة الخطابات النظرية إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس تلمس أثرها الشعوب الإفريقية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية والطاقة المتجددة.
النيباد.
من فكرة تنموية إلى شراكة قارية.
وتُعد “النيباد” (الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا) أحد أبرز الأطر المؤسسية التي أطلقتها القارة مطلع الألفية، بهدف وضع رؤية إفريقية ذاتية للتنمية بعيداً عن الوصاية الخارجية.
وقد أصبحت هذه الشراكة اليوم منصة رئيسية لربط المشروعات الوطنية بالأهداف القارية والدولية، ومنها أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، وهو ما يمنح استضافة العلمين لهذه الاجتماعات أهمية تتجاوز البعد الرمزي إلى المضمون العملي.
لماذا العلمين الجديدة؟
أكد السفير أبو بكر أن اختيار المدينة لاحتضان هذه الفعاليات القارية لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجاً لنجاح الدولة المصرية في تحويل الساحل الشمالي الغربي إلى منطقة جذب استثماري وسياحي متكاملة، وقاعدة أساسية لانطلاق المبادرات التنموية الطموحة التي تخدم تطلعات الشعوب الإفريقية نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
ويضاف إلى ذلك البنية التحتية المتطورة للمدينة، من شبكة طرق ومطار دولي ومنشآت فندقية ومؤتمرات بمواصفات عالمية، ما يجعلها قادرة على استقبال وفود رفيعة المستوى وإدارة أجندات تفاوضية معقدة بكفاءة عالية.
مدينة بمعايير الاستدامة
لم تقتصر مزايا العلمين الجديدة على الموقع الجغرافي أو المنشآت، إذ جرى تصميمها وفق مفاهيم المدن الذكية الخضراء، عبر الاعتماد على وسائل نقل صديقة للبيئة، ومبانٍ موفرة للطاقة، ومساحات خضراء واسعة، وأنظمة رقمية لإدارة المرافق والخدمات.
وتقدم هذه التجربة نموذجاً عملياً يمكن أن تستفيد منه دول إفريقية أخرى تسعى إلى بناء مدن جيل رابع تواجه التغير المناخي وتحد من الزحف العمراني العشوائي.
دلالات اقتصادية وسياسية
تتجاوز أهمية هذه الفعاليات الجانب الدبلوماسي لتشمل ملفات اقتصادية حيوية، أبرزها جذب الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التجارة البينية الإفريقية في ظل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات المصرية والإفريقية، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التحول الرقمي وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا.
كما ترسل استضافة العلمين رسالة واضحة بأن مصر تعيد تموضع نفسها كبوابة إفريقيا نحو المتوسط، ونقطة التقاء بين الفرص الاستثمارية العربية والإفريقية والأوروبية.
نحو مستقبل مشترك
يبقى الأثر الحقيقي لهذه اللقاءات مرهوناً بقدرة الدول الإفريقية على تحويل التوصيات إلى مشروعات ملموسة، وهو ما يجعل من العلمين الجديدة ليس مجرد مكان للاجتماع، بل رمزاً لمرحلة جديدة من العمل الإفريقي المشترك يقوم على المصلحة المتبادلة والمنفعة الجماعية.

التعليقات