تعيش الساحة الدولية اليوم لحظة مفصلية تشبه مخاضاً عسيراً يمهّد لولادة نظام عالمي جديد، إذ تتآكل القواعد التقليدية التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود، وتحلّ محلها معايير مغايرة تماماً تعيد فيها الدول رسم تحالفاتها بناءً على مصالح اقتصادية وجغرافية بحتة، بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية والقطبية القديمة التي سيطرت على كوكب الأرض منذ الحرب الباردة وحتى اليوم.
مؤشرات التحول: ماذا كشفت الكواليس الدبلوماسية؟
يرى خبراء الشؤون الدولية، وفي مقدمتهم مدير مركز الدراسات الأوراسية، ماهر نيقولا، أن ما يجري في الكواليس الدبلوماسية والفعاليات الكبرى، ومن أبرزها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دوراتها الأخيرة، يكشف بوضوح عن تراجع نفوذ المنظومة الدولية القائمة.
ويشير إلى أن العالم يسير بخطى ثابتة نحو ما يمكن تسميته «عصر الجغرافيا الاقتصادية»، حيث تصبح القوة الاقتصادية والسيطرة على خطوط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد هي العملة الأهم في ميزان العلاقات الدولية، متجاوزةً بذلك الاعتبارات العسكرية والسياسية التقليدية.
وتتجلى هذه المؤشرات في عدة ظواهر متزامنة: تصاعد دور التكتلات الاقتصادية الإقليمية مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون، وتزايد الاعتماد على العملات المحلية في التسويات التجارية بعيداً عن هيمنة الدولار، إضافة إلى تنامي التنافس على الممرات البحرية والموانئ الاستراتيجية والموارد الطبيعية النادرة كالليثيوم والغارافيت والطاقة النظيفة.
ما تعنيه الجغرافيا الاقتصادية الجديدة للأسواق العالمية؟
هذا التحول الجذري لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل ينعكس مباشرة وبشكل فوري على اقتصادات الدول النامية والمتقدمة على حدٍّ سواء.
فالتكتلات الاقتصادية الصاعدة باتت تفرض قواعد لعب جديدة تُهمّش المؤسسات المالية التقليدية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتدفع نحو إنشاء بنوك تنمية بديلة وصناديق سيادية إقليمية تعمل وفق أولويات مختلفة تماماً.
وفي هذا السياق، تتضح أهمية قراءة هذه المتغيرات بوعي من قبل الدول العربية ومصر على وجه الخصوص، لاقتناص الفرص الاستثمارية الكبرى في عالم متغير باستمرار.
ويبرز ذلك في قطاعات واعدة مثل الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، والصناعات الغذائية، واللوجستيات والتجارة العابرة للحدود، وهي مجالات يمكن أن تشكل ركائز اقتصادية جديدة إذا ما أُحسن توظيف الموقع الجغرافي والثروات البشرية والطبيعية.
تحديات وفرص على طريق النظام الجديد
لا يخلو هذا الانتقال من مخاطر؛ إذ تفرض الجغرافيا الاقتصادية الجديدة تحديات تتعلق بتقلب أسعار السلع، وارتفاع كلفة الطاقة، وضغوط التضخم، واحتمالات نشوب صراعات تجارية بين القوى الكبرى.
غير أن هذه التحديات نفسها تفتح أبواباً لفرص غير مسبوقة أمام الدول التي تستطيع التكيف بسرعة، وبناء شراكات متوازنة، وتطوير بنيتها التحتية وقدراتها التكنولوجية.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدول، ومنها الدول العربية، الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل في هذه الخريطة الجديدة؟ الإجابة تتوقف على قدرتها على مواكبة التحول، وبناء سياسات اقتصادية مرنة، والاستثمار في الإنسان والابتكار بوصفهما رأس المال الحقيقي في عصر الجغرافيا الاقتصادية.

التعليقات