في تطور أثري غير مسبوق أثار دهشة الأوساط العلمية الدولية، أعلن فريق من الغواصين الألمان عن اكتشاف بقايا سفينة غارقة ظلت مستكينة في أعماق المياه لنحو أربعة قرون كاملة، لتخرج اليوم حاملة معها شهادات صامتة على عصر مضى من تاريخ الملاحة البحرية الأوروبية.
هذا الكشف الذي جاء نتيجة عمل ميداني دقيق، يفتح نافذة نادرة على حياة البحارة وتقنيات بناء السفن وطرق التجارة في القرن السابع عشر.
كيف تم اكتشاف السفينة الغارقة في ألمانيا؟
جاء هذا الاكتشاف الثمين بمحض الصدفة، أثناء تنفيذ فريق متخصص من الغواصين الألمان مهام مسح روتينية لقاع خليج غرايفسفالد (Greifswald Bay) الواقع في بحر البلطيق شمال شرق ألمانيا.
فبينما كان الفريق يجري عمليات تصوير وقياس اعتيادية لأغراض علمية، ظهرت على شاشات الرصد معالم هيكل خشبي ضخم مدفون جزئياً في الطمي البحري.
وبعد المعاينة الأولية، تأكد للخبراء أن السفينة ليست مجرد حطام عابر، بل هيكل محفوظ بشكل لافت تحت طبقات الرواسب، وهو ما يمنحها قيمة أثرية استثنائية.
فالمياه الباردة وقلة الأكسجين في أعماق البلطيق تعمل كمادة حافظة طبيعية تحد من تحلل الأخشاب، وهو ما يفسر بقاء أجزاء واسعة من الهيكل سليمة إلى هذا الحد.
لماذا يعد هذا الاكتشاف مهماً لعلم الآثار البحرية؟
تكمن أهمية السفينة في كونها سجلاً مادياً نادراً يمكن من خلاله فهم:
- تقنيات بناء السفن: دراسة الطريقة التي استخدمها الحرفيون الأوروبيون في تجميع الألواح الخشبية وتشكيل الهيكل وتثبيت العناصر الإنشائية قبل أربعة قرون.
- طرق التجارة البحرية: تحليل طبيعة البضائع التي كانت السفينة تنقلها يكشف عن شبكة الخطوط التجارية التي ربطت موانئ البلطيق بأوروبا الغربية والعالم.
- الحياة اليومية للبحارة: قد تقدم المقتنيات الشخصية والأدوات اليومية صورة حية عن ظروف المعيشة على متن السفن في تلك الحقبة.
- التغيرات البيئية والمناخية: تساعد الرواسب المحيطة بالحطام في إعادة بناء الظروف المناخية والبيئية قبل 400 عام.
أسرار مثيرة تنتظر الكشف عنها
يعوّل الباحثون كثيراً على هذه السفينة لفك شفرة الظروف الغامضة التي أدت إلى غرقها.
فهل تعرضت لعاصفة عنيفة؟ أم اصطدمت بالصخور؟ أم أن أسباباً أخرى، ربما قرصنة أو حريق أو إهمال بشري، كانت وراء نهايتها؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابة قاطعة حتى الآن.
ويأمل العلماء في انتشال قطع أثرية ومقتنيات شخصية للبحارة، إن وُجدت، قد تروي حكايات مثيرة عن صعوبات الرحلات البحرية في تلك العصور، وعن الأخطار التي واجهها الملاحون في رحلاتهم عبر مياه البلطيق المضطربة.
ومن المنتظر أن تخضع السفينة لعمليات توثيق دقيقة تشمل التصوير ثلاثي الأبعاد والمسح السوناري، قبل الشروع في أي عمليات انتشال أو حماية للموقع.
اهتمام عالمي واسع
لم يقتصر صدى هذا الاكتشاف على الأوساط العلمية الألمانية، بل امتد ليشمل المتابعين في مختلف دول العالم، ومن بينهم جمهور واسع في مصر والمنطقة العربية ممن يجدون في أسرار البحار والمغامرات التاريخية مصدراً للشغف والإلهام.
فكل سفينة غارقة هي بمثابة صندوق زمني مغلق، وعندما يُفتح، لا يروي قصة سفينة فحسب، بل يروي قصة حضارة كاملة.
ويبقى السؤال معلقاً: ماذا تخفي هذه السفينة في جوفها بعد أربعة قرون من الصمت؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف النقاب عن هذا الكنز التاريخي المدفون في قاع البحر.

التعليقات