التخطي إلى المحتوى

مع اقتراب ذكرى نصر أكتوبر المجيد، تعود إلى الواجهة تفاصيل غامضة وبطولات ظلت لعقود حبيسة الأدراج، صنعت مجتمعةً المعجزة العسكرية على أرض الفيروز.

وفي هذا السياق، يفتح الدكتور صلاح سلام، نقيب أطباء شمال سيناء الأسبق وأحد شهود العيان على تلك الحقبة التاريخية الفارقة، ذاكرته ليسترجع الأيام العصيبة التي سبقت وأحاطت بملحمة العبور العظيم، مسلطاً الضوء على الدور الوطني الذي اضطلع به أبناء سيناء في دعم القوات المسلحة المصرية.

جغرافيا الحرب في سيناء منحت تلك المرحلة طابعاً خاصاً، جمع بين الخوف والأمل في مزيج فريد.

كان الأهالي يتابعون بيانات القيادة العامة للقوات المسلحة والإذاعة المصرية بلهفة وشغف، مع قلق ممزوج بالفخر.

ولم تكن تلك البيانات مجرد نشرات إخبارية عابرة، بل كانت طوق نجاة ونبض حياة يوقظ الأمل في نفوس القابعين تحت الاحتلال، مؤكدة أن ساعة التحرير قد أزفت.

شبكة اتصالات سرية تحت أنظار الاحتلال

يتوقف الدكتور صلاح سلام عند تفاصيل بالغة الدقة تتعلق بطبيعة التواصل المعقد والسري مع الخلايا الوطنية الناشطة داخل سيناء.

فرغم الظروف الأمنية القاسية والقبضة الحديدية للاحتلال، تمكن الوطنيون الأحرار من نسج شبكة اتصال محكمة مع أجهزة الدولة المصرية، اعتمدت على وسائل مبتكرة آنذاك، من بينها كلمات سر متفق عليها وأسماء رمزية ومحطات وسيطة، لتتجاوز الرقابة وتنقل المعلومات أولاً بأول.

خدمت هذه الشبكة أهدافاً متعددة؛ إذ لم تقتصر على رصد تحركات العدو وتعزيزاته ونقاط تمركزه، بل امتدت لتأمين الجبهة الخلفية للجيش المصري، ونقل الاحتياجات اللوجستية، وإرشاد عناصر الاستطلاع، وربط العائدين من أبناء سيناء بوحداتهم.

كما وثّق الباحثون في تاريخ حرب أكتوبر أن هذه الخلايا كانت عين الدولة داخل الأرض المحتلة، وساهمت في إرباك خطوط الإمداد الإسرائيلية خلف خطوط المواجهة.

لم يكن هذا الدور وليد اللحظة، بل ثمرة سنوات من التنظيم الدقيق، إذ سبق حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ بأعوام طويلة جهود مماثلة بدأت منذ احتلال سيناء عام ١٩٦٧، وتطورت تدريجياً من عمليات مقاومة شعبية إلى شبكات منظمة تعمل تحت مظلة أجهزة الدولة.

ودفع أبناء سيناء ثمناً باهظاً من الاعتقال والتهجير والمصادرة، لكنهم ظلوا أوفياء لهدفهم الأول: عودة الأرض واستعادة الكرامة.

أبناء سيناء.

جيش ظل لا يُرى

.

تشير الروايات التاريخية إلى أن هؤلاء الأبطال شكلوا ما يشبه “جيش ظل” لا يُرى، يجيد قراءة الصحراء ومسالكها ودر وبها، ويستطيع التمييز بين أثر الدبابة والمركبة وممر الرمال، وهي مهارات محلية استثمرتها القيادة المصرية في التخطيط للعبور.

كما لعب بعضهم دور الأدلاء الذين قادوا الوحدات إلى مواقعها، وساهموا في تأمين المواقع الحساسة بعد تحريرها، مما جعل النصر المبين ثمرة شراكة وطنية خالصة غيرت وجه التاريخ الحديث وأعادت الكرامة للأمة العربية بأسرها.

وفي ختام روايته، يؤكد الدكتور صلاح سلام أن تسجيل هذه الشهادات وتوثيقها واجب وطني، حتى تبقى دروس أكتوبر حاضرة في وجدان الأجيال الجديدة، ويظل المعنى الأصيل للنصر ماثلاً: أن الشعوب حين تتوحد خلف جيشها وقضيتها، تصنع المستحيل وتكتب تاريخها بأحرف من نور.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *