في تطور إحصائي لافت يجذب انتباه المحافل الإقليمية والدولية، أصدرت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) بيانات موسّعة تُسلّط الضوء على واحدة من أكبر موجات العودة الطوعية في تاريخ المنطقة، إذ عاد ما يزيد على مليون ومائة ألف سوداني إلى ديارهم قادمين من الدول المجاورة، وذلك خلال الفترة الممتدة من يناير 2024 حتى أغسطس 2026.
وتُبرز هذه الأرقام تحولاً نوعياً في خريطة التحركات السكانية بالمنطقة، وتُعيد رسم ملامح الاستقرار في السودان ودول الجوار.
أرقام دقيقة تروي حجم العودة
وفقاً لبيانات المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد العائدين نحو 1,110,000 شخص اختاروا طريق العودة من تلقاء أنفسهم بعد فترات من اللجوء أو الإقامة المؤقتة في دول مجاورة.
وتشير التقارير إلى أن العودة لم تكن موحّدة التوزيع، بل جاءت متدرّجة على مراحل، وتركزت بدرجة أكبر في الأشهر الأخيرة من الفترة الزمنية المذكورة، مع تحسن تدريجي في الظروف الأمنية وفتح بعض مسارات النقل البري والجوي.
وتكشف التفاصيل أن العائدين شملوا فئات اجتماعية متنوعة، من بينهم أسر بأكملها ونساء وأطفال، بالإضافة إلى شباب في سن العمل وعناصر من الكفاءات المهنية، ما يمنح هذه الموجة بعداً إنسانياً وتنموياً في آن واحد.
مصر في الصدارة.
دور إنساني يتجاوز الجوار الجغرافي.
حلّت جمهورية مصر العربية في المرتبة الأولى بين الدول التي انطلق منها أكبر عدد من العائدين نحو الأراضي السودانية، وهو ما يعكس ثقل الدور المصري الإنساني والسياسي في إدارة أزمات المنطقة.
ولم يقتصر الأمر على الانفتاح الجغرافي، بل امتد ليشمل حزمة من الإجراءات والتسهيلات التي وفّرتها الجهات المصرية المعنية.
وتمثلت هذه التسهيلات في عدة محاور رئيسية:
- توفير بيئة آمنة ومستقرة للمقيمين السودانيين داخل الأراضي المصرية.
- تسريع إجراءات الإقامة والتوثيق اللازمة للأسر السودانية.
- تيسير الخدمات الصحية والتعليمية للأطفال والطلاب السودانيين.
- دعم عملية العودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمات الدولية والإنسانية.
ويؤكد هذا الموقف مجدداً ريادة القاهرة في محيطها العربي والإفريقي، وإيمانها بواجب الأخوة والعروبة تجاه الأشقاء السودانيين في أوقات المحن، كما يعزز مكانتها كشريك موثوق في ملفات الهجرة والنزوح الإقليمية.
لماذا تختار الأسر العودة الطوعية؟
يرجع اختيار العائدين إلى مجموعة من العوامل المتراكبة، من بينها التحسّن الجزئي في الأوضاع الأمنية ببعض الولايات السودانية، واستقرار نسبي في الخدمات الأساسية، إضافة إلى رغبة عميقة في لمّ شمل الأسر واستعادة الحياة الطبيعية بعد سنوات من التنقل والترحال.
كما لعبت العوامل الاقتصادية دوراً محورياً، إذ يرى كثيرون أن العودة إلى الديار تفتح أمامهم فرصاً جديدة في الزراعة والتجارة وإعادة بناء ما تضرر.
تحديات تواجه العائدين
وعلى الرغم من الطابع الإيجابي لهذه الموجة، تبقى هناك تحديات جوهرية، أبرزها الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية في المناطق المستهدفة، وتوفير المأوى والخدمات الصحية، وضمان سبل معيشة مستدامة للعائدين.
وهي نقاط تحتاج إلى جهد مشترك بين الحكومة السودانية والمنظمات الدولية والدول المجاورة، لضمان أن تكون العودة قراراً مستقراً لا مؤقتاً.
قراءة مستقبلية
تشير المعطيات الحالية إلى أن موجة العودة قد تتوسع في الأشهر القادمة إذا استمر تحسّن الظروف، خاصة مع استمرار التعاون بين المنظمة الدولية للهجرة ودول الجوار، وفي مقدمتها مصر.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تتحول هذه العودة من ظاهرة إحصائية إلى مشروع تنموي متكامل يعيد بناء الإنسان والمكان في السودان؟.

التعليقات