بقلم: إيمان مزريقي
يتزامن شهر أكتوبر من كل عام مع تجدد النقاش العام حول سرطان الثدي، غير أن هذه المناسبة باتت تستوجب اليوم تجاوز البعد الرمزي للون الوردي والشعارات الموسمية نحو مقاربة صحية ومجتمعية واقتصادية أعمق، تجعل صحة المرأة جزءا أصيلا من السياسات العامة ومن منظومة العدالة الصحية.
فسرطان الثدي لم يعد مسألة طبية محصورة داخل جدران المستشفى، بل أصبح قضية مرتبطة بحق المرأة في المعلومة الصحية، وبقدرتها على الوصول إلى الخدمات الطبية، وبكفاءة منظومة التشخيص والعلاج، وبقدرة الأسرة والدولة على تحمل الآثار الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن المرض.
الأرقام تكشف حجم المسؤولية
في تونس، سُجلت سنة 2022 نحو 2820 حالة جديدة من سرطان الثدي لدى النساء، وهو ما يمثل 31 بالمائة من مجموع حالات السرطان الجديدة لدى النساء البالغ عددها 9110 حالات خلال السنة نفسها.
كما سُجل سرطان الثدي ضمن 20551 حالة سرطان لدى الجنسين معا، أي ما يعادل 13.7 بالمائة من مجموع الحالات المسجلة، وفقا لمعطيات المرصد العالمي للسرطان.
وتضع هذه الأرقام سرطان الثدي في المرتبة الأولى بين السرطانات المسجلة لدى النساء في تونس، في وقت لا تزال فيه معدلات الإصابة في ارتفاع على المستوى العالمي.
وعالميا، شُخّصت نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي خلال سنة 2024، وسُجلت نحو 694 ألف وفاة مرتبطة بالمرض، كما كان سرطان الثدي أكثر السرطانات شيوعا لدى النساء في 164 دولة من أصل 186 دولة في السنة نفسها.
وتُقدّر منظمة الصحة العالمية أن حالة واحدة من كل ثماني نساء قد تُصاب بسرطان الثدي خلال حياتها، ما يجعل هذا المرض أحد أبرز تحديات الصحة العمومية في العالم.
ما وراء الأرقام: الحاجة إلى التخطيط الصحي المبني على البيانات
لا تعكس هذه الأرقام مجرد حجم مرضي، وإنما تكشف أيضا أهمية التخطيط الصحي المبني على البيانات.
فكل حالة جديدة تعني مسارا طبيا يبدأ من الاشتباه أو الكشف، ويمر بالتشخيص وتحديد نوع الورم ومرحلته، ثم اختيار العلاج والمتابعة وإعادة التأهيل عند الحاجة.
وكل تأخير في إحدى حلقات هذا المسار يمكن أن يؤثر في سرعة التدخل وفي الموارد المطلوبة وفي الأعباء التي تتحملها المريضة وأسرتها والمنظومة الصحية.
ولذلك فإن قياس عدد الحالات وحده لا يكفي؛ إذ ينبغي أن تترافق الإحصائيات مع مؤشرات حول مرحلة اكتشاف المرض، ومدة الانتظار بين الاستشارة والتشخيص، ومدة الوصول إلى العلاج، وتوزيع الخدمات والتجهيزات بين الجهات.
وتشير تقديرات المنظمة العالمية إلى أن التشخيص المتأخر يرفع كلفة العلاج بشكل كبير ويقلل فرص الشفاء، في حين أن اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة يرفع نسب البقاء على قيد الحياة إلى أكثر من 90 بالمائة في العديد من البلدان ذات الدخل المرتفع.
الوقاية والكشف: دقة علمية ضرورية
يتميز سرطان الثدي بتعقيد طبي يجعل الحديث عن الوقاية بحاجة إلى دقة علمية.
فالعمر والجنس يمثلان عاملين أساسيين في مستوى الخطر، وتوجد عوامل أخرى قد ترتبط بزيادة الاحتمال مثل التاريخ العائلي، وبعض الاستعدادات الوراثية كطفرات جيني BRCA1 وBRCA2، والعوامل الهرمونية، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، والتعرض السابق للإشعاع، وبعض العوامل المرتبطة بنمط الحياة كالتدخين وتناول الكحول.
ومع ذلك، فإن نحو 80 بالمائة من حالات سرطان الثدي تحدث لدى نساء لا توجد لديهن عوامل خطر محددة معروفة باستثناء الجنس والعمر.
ولذلك فإن غياب التاريخ العائلي لا يعني انعدام الخطر، كما أن وجود عامل خطر لا يعني حتمية الإصابة.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول رسائل الوقاية إلى تحميل المرأة مسؤولية مرض قد يحدث رغم غياب عوامل الخطر المعروفة.
التوعية والكشف المبكر والتشخيص والفحص المنظم: مفاهيم لا ينبغي الخلط بينها
من أهم الأخطاء التي ينبغي تصحيحها خلال أكتوبر الوردي الخلط بين التوعية والكشف المبكر والتشخيص والفحص المنظم.
فالتوعية الصحية تعني تمكين المرأة من معرفة طبيعة المرض وعلاماته وعوامل الخطر وضرورة الاستشارة عند ظهور تغيرات غير طبيعية.
أما التشخيص المبكر فيعني اكتشاف الحالات التي تظهر عليها علامات أو أعراض وتقييمها طبيا وتشخيصها وإحالتها إلى العلاج في أقرب وقت ممكن.
أما الفحص المنظم فيستهدف أشخاصا لا تظهر عليهم أعراض بهدف اكتشاف المرض في مرحلة سابقة لظهور العلامات السريرية.
وهذه الفروق مهمة لأن كل مرحلة تحتاج إلى أدوات ومسار طبي مختلف، ولا يمكن اختزال مكافحة سرطان الثدي في توفير الماموغرافي وحده.
العلامات التي تستوجب الاستشارة
من الناحية الطبية، ينبغي التعامل بجدية مع ظهور كتلة جديدة في الثدي أو تغير مستمر في شكل الثدي أو الجلد أو الحلمة، أو ظهور إفراز غير معتاد، أو أي تغير جديد يختلف بوضوح عن الوضع الطبيعي للمرأة.
ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود سرطان، إذ يمكن أن تكون لها أسباب حميدة متعددة، لكن القرار الصحيح هو عرضها على مختص وعدم الاعتماد على التشخيص الذاتي أو الوصفات غير الطبية المنتشرة عبر الإنترنت.
فالفارق بين الخوف غير المبرر والطمأنينة الزائفة هو وجود تقييم طبي قادر على تحديد طبيعة الحالة.
الماموغرافي: أداة في منظومة لا وصفة موحدة للجميع
يمثل التصوير الشعاعي للثدي أو الماموغرافي أداة مهمة ضمن منظومة الكشف، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم للنساء باعتباره إجراء واحدا مناسبا للجميع بغض النظر عن العمر أو عوامل الخطر.
وتوضح التوصيات الصحية الدولية أن الفحص بالماموغرافي ضمن برامج منظمة يستهدف عادة النساء بين 50 و69 عاما، بينما تختلف القرارات الطبية خارج هذه الفئة بحسب مستوى الخطر والسياق الصحي والتقييم الفردي.
كما أن الفحص الذاتي للثدي لا يمثل بديلا عن التقييم الطبي أو برامج الفحص المنظمة، وإنما يمكن أن يساعد المرأة على معرفة طبيعة جسمها والانتباه إلى التغيرات التي تستوجب الاستشارة.
المنظومة تبدأ بالإنسان لا بالجهاز
تكمن قوة سياسة الكشف المبكر في أنها لا تبدأ بالجهاز الطبي وإنما تبدأ بالإنسان.
فالمرأة تحتاج أولا إلى معرفة العلامات التي تستوجب الاستشارة، ثم تحتاج إلى مؤسسة صحية يمكن الوصول إليها، ثم إلى مهني قادر على تقييم الحالة، ثم إلى فحوص تشخيصية في الوقت المناسب، ثم إلى إحالة فعالة إلى الاختصاص، ثم إلى علاج ومتابعة.
وإذا تعطلت إحدى هذه الحلقات فإن وجود الحلقة السابقة وحدها لا يضمن النتيجة المطلوبة.
ولهذا فإن التوسع في عدد الفحوص دون ضمان قدرة المنظومة على معالجة النتائج غير الطبيعية قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الخدمات دون تحقيق الأثر الصحي المنشود.
العدالة الصحية: الوجه الحقيقي لأكتوبر الوردي في تونس
تظهر هنا مسألة العدالة الصحية بوصفها أحد أهم أبعاد أكتوبر الوردي في تونس.
فالمرأة التي تعيش في مركز حضري قريب من مؤسسة متخصصة لا تواجه بالضرورة الظروف نفسها التي تواجهها امرأة في منطقة ريفية أو داخلية تضطر إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى طبيب أو مركز تصوير أو مؤسسة علاجية.
وتُضاف إلى المسافة مشكلات النقل وكلفة التنقل ووقت الانتظار والالتزامات الأسرية والمهنية وتفاوت توفر الاختصاصات والتجهيزات.
ومن ثم فإن الحق في الصحة لا يقاس فقط بوجود الخدمة على المستوى الوطني، وإنما بمدى إمكانية الوصول إليها فعليا وفي الوقت المناسب.
وتحتاج النساء في المناطق الريفية إلى اهتمام خاص، لأن العامل الجغرافي يمكن أن يتحول إلى عامل صحي عندما يؤدي إلى تأخير الاستشارة أو التشخيص.
فالمرأة العاملة في القطاع الفلاحي قد تكون مرتبطة بمواسم العمل ومسؤوليات الأسرة ورعاية الأطفال وكبار السن، وقد تجد صعوبة في تخصيص يوم كامل للانتقال إلى مؤسسة صحية بعيدة.
لذلك فإن السياسة الصحية الفعالة تحتاج إلى تقريب الخدمات، وإلى حملات توعية محلية، وإلى تحسين منظومة الإحالة، وإلى توفير معلومات دقيقة عن مسار الفحص والتشخيص والعلاج، وإلى دراسة الحواجز الاقتصادية والاجتماعية التي تمنع النساء من الاستفادة الفعلية من الخدمات.
الاقتصاد الأسري: الكلفة غير الظاهرة
لا يمكن فصل سرطان الثدي عن الاقتصاد الأسري.
فالمرض قد يؤدي إلى توقف المرأة عن العمل لفترة معينة أو بصورة أطول بحسب الحالة والعلاج، كما يمكن أن يفرض نفقات إضافية على الأسرة تتعلق بالنقل والعلاج والإقامة والرعاية والمرافقة وفقدان جزء من الدخل.
وقد تنتقل بعض المسؤوليات المهنية والمنزلية إلى أفراد آخرين من الأسرة بما يخلق تكلفة غير مباشرة لا تظهر دائما في الفاتورة الطبية.
ومن هنا فإن الاستثمار في الوقاية والتشخيص المبكر ليس مجرد تكلفة على ميزانية الصحة، وإنما يمكن اعتباره استثمارا في رأس المال البشري وفي استقرار الأسرة وفي الحفاظ على مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
المبادرة العالمية لمنظمة الصحة العالمية
تؤكد المعطيات الدولية وجود تفاوت كبير في نتائج سرطان الثدي بين البلدان والمناطق، ويرتبط جزء مهم من هذا التفاوت بمرحلة اكتشاف المرض وبالقدرة على توفير التشخيص والعلاج في الوقت المناسب.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مبادرتها العالمية لمكافحة سرطان الثدي تستهدف خفض الوفيات المبكرة الناتجة عن المرض بنسبة 2.5 بالمائة سنويا، بما يمكن أن يساهم في تجنب 2.5 مليون وفاة عالميا بحلول سنة 2040.
وتقوم المبادرة على ثلاثة محاور أساسية هي تعزيز الصحة للكشف المبكر، والتشخيص في الوقت المناسب، والتدبير العلاجي الشامل.
ويوفر هذا التصور إطارا يمكن الاستفادة منه في تطوير السياسات الوطنية، بحيث لا يكون الهدف مجرد زيادة عدد الحملات، وإنما تقليص المسافة الزمنية بين ظهور العلامة الأولى والوصول إلى التشخيص ثم العلاج.
وتحتاج تونس في هذا المجال إلى مؤشرات وطنية واضحة تسمح بقياس آجال الانتظار ومراحل التشخيص ونسب الوصول إلى العلاج وتوزيع الموارد الطبية حسب الجهات.
كما أن تطوير سجلات السرطان وتحسين جودة البيانات الصحية يسمحان بتحديد الفئات الأكثر احتياجا وبناء سياسات تقوم على الأدلة وليس على الانطباعات.
حلول عملية لتعزيز فعالية المنظومة
من بين الحلول التي يمكن أن تعزز فعالية المنظومة اعتماد مسار واضح للمريضة يبدأ من الرعاية الصحية الأولية، ويحدد مراحل الإحالة والتشخيص والعلاج والمتابعة، ويقلل التعقيدات الإدارية التي قد تؤخر الوصول إلى الاختصاص.
كما يمكن تطوير نظام لمرافقة المرضى يساعد النساء على فهم الإجراءات والمواعيد والفحوص والإحالات، ويقلل احتمال ضياع المريضة بين المؤسسات الصحية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن مرافقة المرضى يمكن أن تحسن معدلات الاستفادة من الفحص، وتقلل زمن الوصول إلى التشخيص، وتساعد على الالتزام بالمواعيد، وتحسن معرفة المريض بمسار العلاج.
كما يمكن أن تشمل الحلول توظيف التطبيقات الرقمية للتبرير الصحي والتذكير بالمواعيد، وتدريب أطباء الرعاية الأولية على التعرف على العلامات المشتبهة، وتوسيع خدمات التصوير الطبي في الجهات الداخلية، وتخصيص وحدات متنقلة للفحص في المناطق البعيدة.
حماية البيانات والإعلام الصحي المسؤول
ينبغي أن تحظى حماية البيانات الصحية بمكانة أساسية في كل حملة توعوية.
فسرطان الثدي قضية شخصية وصحية حساسة، ولا يجوز تحويل معاناة النساء إلى مادة إعلامية من دون احترام الخصوصية والموافقة.
ويجب أن تقوم التغطية الإعلامية على المعلومات الطبية الدقيقة، وأن تبتعد عن التخويف والمبالغة وعن نشر وصفات أو علاجات غير مثبتة وعن تقديم قصص فردية باعتبارها قاعدة عامة.
فالإعلام الصحي المسؤول يستطيع أن ينقذ وقتا ثمينا عندما يوجه المرأة نحو الاستشارة المناسبة، لكنه قد يسبب ضررا عندما ينشر معلومات غير دقيقة أو يخلق شعورا زائفا بالأمان.
شراكة وطنية واسعة
تتطلب مكافحة سرطان الثدي شراكة واسعة بين وزارة الصحة والمؤسسات الطبية والجامعات والجمعيات ووسائل الإعلام والسلطات المحلية وأماكن العمل.
ويمكن للجامعات أن تساهم في نشر الثقافة الصحية، ويمكن للمجتمع المدني الوصول إلى الفئات التي لا تصلها الحملات التقليدية، ويمكن للمؤسسات الاقتصادية تسهيل حصول العاملات على الرعاية الطبية، ويمكن للسلطات المحلية دعم المبادرات التي تقرب الخدمات والمعلومات من السكان.
وتصبح هذه الشراكة أكثر أهمية في المناطق الريفية التي تحتاج إلى حلول مرتبطة بالواقع المحلي وليس إلى حملات موحدة لا تراعي الفوارق بين الجهات.
كما ينبغي أن تتجاوز التوعية مفهوم المرض وحده إلى بناء ثقافة صحية مستمرة تقوم على المتابعة الطبية واحترام الجسم والابتعاد عن المعلومات المضللة واعتماد نمط حياة صحي قدر الإمكان.
فالنشاط البدني المنتظم والحفاظ على وزن صحي وتجنب التدخين وتقليل التعرض للكحول عوامل يمكن أن تدخل ضمن سياسات الوقاية العامة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التقييم الطبي ولا توفر حماية مطلقة من المرض.
ما بعد التشخيص: رحلة العلاج المتكاملة
تحتاج المريضة بعد التشخيص إلى منظومة علاجية متكاملة تختلف حسب نوع الورم ومرحلته وخصائصه البيولوجية وحالتها الصحية.
وقد تشمل الخطة العلاجية الجراحة والعلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي والعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة بحسب طبيعة الحالة.
كما قد تحتاج المرأة إلى إعادة تأهيل ودعم اجتماعي ونفسي ورعاية تلطيفية في الحالات التي تستدعي ذلك.
ولذلك فإن نجاح السياسة الوطنية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الحالات التي تم اكتشافها، وإنما بقدرة النظام الصحي على إكمال رحلة العلاج ومتابعة المريضة بعده.
إعادة تعريف النجاح
يمثل أكتوبر الوردي فرصة لإعادة تعريف مفهوم النجاح في مكافحة سرطان الثدي.
فالنجاح لا يقاس بعدد الصور الوردية ولا بعدد المنشورات ولا بعدد الشعارات، وإنما بقدرة امرأة على الوصول إلى المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، وبقدرة امرأة أخرى على الوصول إلى الفحص دون عائق جغرافي، وبسرعة تشخيص الحالات المشتبهة، وباختصار آجال الانتظار، وبضمان استمرارية العلاج، وبقدرة الدولة على معرفة الفوارق بين الجهات ومعالجتها بالأرقام والموارد والسياسات.
وتحتاج تونس إلى تحويل البيانات المتاحة إلى مؤشرات متابعة وطنية منتظمة تشمل عدد الحالات الجديدة البالغ 2820 حالة في بيانات سنة 2022 للنساء، ونسبتها البالغة 31 بالمائة من مجموع السرطانات الجديدة لدى النساء، وتوزيع الحالات حسب العمر والجهة ومرحلة التشخيص ومدد الانتظار والوصول إلى العلاج والمتابعة.
فالأرقام ليست مجرد معطيات إحصائية، وإنما أدوات لصناعة القرار وتحديد الأولويات وتوجيه الموارد نحو المناطق والفئات التي تحتاج إلى تدخل أكبر.
خاتمة: صحة المرأة حق مستمر لا ملف موسمي
إن صحة المرأة ليست ملفا موسميا ولا مناسبة مرتبطة بشهر واحد، وإنما مكون أساسي من الصحة العامة ومن التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن العدالة بين الجهات.
وسرطان الثدي يفرض على تونس مقاربة وطنية تجمع بين الوقاية والتوعية والتشخيص المبكر والعلاج والتأهيل والبيانات والحماية الاجتماعية والعدالة في توزيع الخدمات.
أما أكتوبر الوردي فينبغي أن يكون لحظة سنوية لمراجعة ما تحقق وتحديد ما تعطل وقياس الفجوات ووضع أهداف قابلة للمتابعة، حتى تتحول الرسالة من مجرد دعوة إلى الكشف إلى التزام مؤسساتي دائم.
فالمرأة التي تحافظ على صحتها لا تحمي حياتها فقط، وإنما تحافظ على قدرتها على العمل وعلى رعاية أسرتها وعلى المشاركة في المجتمع والاقتصاد.
والأسرة التي تحصل على تشخيص وعلاج في الوقت المناسب تواجه عبئا أقل مقارنة بمسار طويل من التأخر والمضاعفات.
والدولة التي تستثمر في الكشف المبكر والبيانات والخدمات القريبة تستثمر في الإنسان وفي الإنتاجية وفي الاستقرار الاجتماعي.
ولذلك فإن الرسالة الأعمق لأكتوبر الوردي هي أن الكشف المبكر مسؤولية فردية ومؤسساتية مشتركة، وأن صحة المرأة حق مستمر، وأن الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب يجب أن يكون هدفا صحيا وطنيا قابلا للقياس والتقييم والتحسين.

التعليقات