التخطي إلى المحتوى

يواصل قطاع غزة تسجيل واحدة من أكثر الفصول دموية في تاريخ الصحافة الحديثة، إذ تحوّل الميدان الصحفي إلى ساحة استهداف مباشر يدفع فيها أصحاب الكلمة الحرة أثماناً باهظة من أرواحهم.

فمنذ اندلاع المواجهات المسلحة في أكتوبر 2023 وحتى اليوم، لم تتوقف حصيلة الشهداء من العاملين في الحقل الإعلامي عن الارتفاع، في مشهد وصفته نقابات ومنظمات صحفية دولية بأنه غير مسبوق في الصراعات المعاصرة.

الحصيلة الرسمية: 263 شهيداً

أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن عدد الصحفيين والإعلاميين الذين استُشهدوا منذ بداية العمليات العسكرية بلغ نحو 263 صحفياً، وهو رقم يعكس حجم المخاطر التي تواجه الطواقم الميدانية يومياً.

ولا تقتصر هذه الحصيلة على الصحفيين العاملين في المؤسسات الإخبارية، بل تشمل أيضاً المصورين والمحررين والمنتجين والمسؤولين عن نقل الصورة الحية إلى العالم.ويأتي هذا الإعلان في وقت تتحدث فيه تقارير منظمات حقوقية دولية معنية بحرية الصحافة عن أن الحرب على غزة تُعدّ الأكثر فتكاً بالصحفيين مقارنة بأي نزاع آخر تم توثيقه في العقود الماضية، سواء من حيث عدد الضحايا أو من حيث وتيرة الاستهداف.

محمد عبد العزيز النجار.

اسم جديد في قائمة الشهداء

جاء الكشف عن الحصيلة المرتفعة عقب نبأ استشهاد الزميل الصحفي محمد عبد العزيز النجار، الذي انضم إلى قائمة الدماء الطاهرة للصحفيين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل إيصال الحقيقة إلى الرأي العام المحلي والعالمي.

ويضاف اسم النجار إلى عشرات الأسماء الأخرى التي تحوّلت إلى رموز للتضحية في سبيل الكلمة الحرة.ورغم الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات، يواصل الصحفيون في غزة أداء رسالتهم وسط تحديات غير مسبوقة تشمل انقطاع الكهرباء والاتصالات، ونقص المعدات الواقية، والتهجير القسري، والاستهداف المتواصل لمراكز العمل الإعلامي.

مخاطر مضاعفة على الطواقم الصحفية

لا يتوقف الأمر عند الاستهداف المباشر، إذ يواجه الصحفيون في غزة ظروفاً مركبة تجعل العمل الميداني شبه مستحيل:
  • الاستهداف المتكرر: تعرّض مكاتب وكالات إخبارية ومنازل صحفيين لقصف مباشر، في حوادث أدانت منظمات دولية وصفتها بأنها تستهدف حرية الإعلام.
  • انعدام الحماية: انهيار المنظومة الصحية وغياب الملاجئ الآمنة يزيدان من خطر الإصابات غير القابلة للعلاج.
  • القيود التقنية: انقطاع الإنترنت، وشح الكهرباء، ووصول الوقود إلى حدوده الدنيا، مما يعقّد مهمة نقل الصورة والتحقق من المعلومات.
  • الاستنزاف النفسي: العمل لشهور متواصلة تحت قصف مستمر، وفقدان زملاء وأقارب بشكل متكرر، يُنشئ بيئة نفسية قاسية يصعب تحمّلها.
  • غياب الإجلاء الآمن: رفض مراراً مطلب إجلاء الصحفيين المصابين لتلقي العلاج خارج القطاع.

صرخة الإعلاميين ودعوات الحماية

مع استمرار ارتفاع عدد الضحايا، تصعّد الاتحادات الصحفية ومؤسسات حقوق الإنسان مطالبها بالتحرك الدولي لوقف استهداف الصحفيين، وتوفير أدوات الحماية اللازمة لهم، وضمان المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحقهم.

وتؤكد هذه المنظمات أن استهداف الصحفيين لا يقتل الأشخاص فحسب، بل يحرم المجتمعات من حقها في الوصول إلى المعلومة، ويهدّد المتعة والسلامة المهنية للعمل الصحفي برمّته.ويرى مراقبون أن ما يجري في غزة سيكون له أثر طويل الأمد على قواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية الصحفيين في مناطق النزاع، كما سيعيد تعريف النقاش العالمي حول ضرورة إنشاء آليات دولية لملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الإعلاميين.

لماذا يهم هذا الرقم العالم؟

الحصيلة البالغة 263 شهيداً ليست مجرد رقم إحصائي، بل تمثل مؤشراً على تقويض مبدأ حرية تداول المعلومات في مناطق الحروب.

فمع كل صحفي يسقط، يخسر العالم عيناً تراقب وتوثّق، ويخسر الرأي العام مصدراً موثوقاً للتحقق من الحقائق في زمن تتنافس فيه الروايات وتتكاثر فيه المعلومات المضللة.ويبقى السؤال الأبرز مطروحاً: إلى متى تستمر الفاتورة في الارتفاع، وإلى متى يظل الصحفيون في غزة أهدافاً بلا حماية، في ظل غياب أي أفق واضح للمساءلة أو الوقف؟.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *