وزير الخارجية اللبناني: لا استقرار ولا تعافٍ إلا ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية
في موقف سياسي بارز يُعاد به رسم ملامح المرحلة المقبلة في لبنان، شدّد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني على أن أي مسار جدي للتعافي والازدهار لا يمكن أن يبدأ إلا من نقطة واحدة: بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها ومقدراتها، وإنهاء حالة ازدواجية السلاح التي أثقلت كاهل الاقتصاد والمجتمع اللبناني على مدى سنوات طويلة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية ومالية تُعد من الأشد في تاريخه الحديث، مع انهيار العملة الوطنية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وشلل شبه كامل في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية، إضافة إلى أزمات سياسية متلاحقة عطّلت عمل المؤسسات الدستورية لفترات مطوّلة.
شروط حتمية لعودة الاستقرار في لبنان
أوضح الوزير أن معادلة الأمن والاستقرار لا يمكن أن تستقيم في ظل وجود ترسانة عسكرية موازية للمؤسسات العسكرية الشرعية، مؤكداً أن الدولة وحدها هي المخوّلة بحماية مواطنيها والدفاع عن حدودها.
وحذّر من أن أي تهاون في هذا الملف يعني استمرار الدوامة التي تعيق كل محاولات الإقليمية والدولية لانتشال لبنان من أزماته المتراكمة.
ويرتبط هذا الطرح بمبدأ أساسي في القانون الدولي يقوم على “احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة”، وهو مبدأ تضمنه اتفاق “الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، ونصّ صراحة على حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها إلى الدولة.
ويشكّل عدم تنفيذ هذا البند حتى اليوم أحد أبرز عوامل إطالة أمد الأزمات اللبنانية.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية لازدواجية السلاح
ترى أوساط اقتصادية أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الشرعية يضعف ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، ويعرقل تدفق المساعدات والاستثمارات الأجنبية، ويزيد من مخاطر التصنيف الائتماني للبلاد.
كما يضيّق هامش حركة الدولة في التفاوض على برامج الإنقاذ المالي مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة، التي غالباً ما تربط دعمها بإصلاحات سياسية وأمنية شاملة.
اجتماعياً، يشير مراقبون إلى أن غياب سلطة الدولة الكاملة في بعض المناطق أدى إلى تفاوت في تقديم الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة والتعليم، وإلى نمو اقتصادات موازية خارج الرقابة الضريبية، مما فاقم الفوارق بين المناطق وزاد من هشاشة الطبقات الوسطى والفقيرة.
المفاوضات المباشرة.
بوابة الحل الدائم.
ولم يتوقف موقف الوزير عند الشأن الداخلي، بل تطرّق إلى سبل تسوية النزاعات الإقليمية المستمرة، مشدداً على أن الدخول في مسار من المفاوضات المباشرة يمثّل الخيار الواقعي والعملي الوحيد للوصول إلى تسوية عادلة وشاملة تحفظ حقوق لبنان وتضمن سيادته الكاملة.
ورأى أن الاعتماد على الشعارات والخطابات التعبوية لم يؤدِّ سوى إلى مزيد من الدمار وتعقيد المشهد السياسي والاقتصادي، مشيراً إلى أن الحلول الدبلوماسية القائمة على الحوار المتبادل هي وحدها القادرة على تحقيق تقدم ملموس في الملفات الحدودية والنزاعات المعلّقة.
ترتيبات دفاعية وضغوط دولية
تتقاطع هذه المواقف مع نقاشات جارية حول ترتيبات أمنية ودفاعية في الجنوب اللبناني، وحول تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1701.
ويرى خبراء أن بناء ثقة تدريجية بين الأطراف المعنية، عبر وقف مؤقت للأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني، يمكن أن يوفّر أرضية للانتقال نحو تسويات أوسع تشمل ترسيم الحدود وضبط السلاح غير الشرعي.
في المقابل، يواجه هذا التوجه اعتراضات داخلية من أطراف سياسية ترى في نزع السلاح خطوة يجب أن تأتي ضمن تسوية إقليمية شاملة، ما يجعل ملف الشرعية العسكرية للدولة أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد اللبناني.
خلاصة
يبقى السؤال المحوري: هل يستطيع لبنان تحويل هذه المواقف السياسية إلى خطوات تنفيذية على الأرض؟ إن الإجابة مرتبطة بمدى توافق القوى السياسية الداخلية، وبدعم إقليمي ودولي متماسك، وبقدرة الدولة على استعادة مصداقيتها كمؤسسة حصرية للسلطة والأمن.
عندها فقط يمكن الحديث عن بداية حقيقية لمرحلة التعافي.

التعليقات