لم تكن رحلة الطائرة FZ1073 التابعة لشركة “فلاي دبي”، وهي من طراز بوينغ 737 ماكس 8، مجرد رحلة عابرة من مطار دبي الدولي باتجاه مطار بن غوريون في تل أبيب، بل تحوّلت في صباح الثلاثين من سبتمبر إلى واحدة من أكثر الحوادث إثارة للجدل والهلع في تاريخ الطيران المدني الحديث.
فما بدأ كرحلة اعتيادية على متنها أكثر من 150 راكباً، معظمهم إسرائيليون، انتهى بهبوط اضطراري مفاجئ في مطار تبوك شمال غرب السعودية، بعد أن تحوّل الهواء إلى مسرح لواقعة دموية داخل قمرة القيادة نفسها [ref:2][ref:4].
شهادات الأمهات: لحظات الرعب كما رواها الركاب
وفقاً لشهادات متطابقة نقلها ركاب وذووهم، فإن الرحلة دخلت في حالة من الفوضى العارمة عندما بدأ الرادار يلتقط مساراً غير طبيعي للطائرة، إذ انحرفت عن وجهتها وهبطت فجأة بنحو 4000 متر خلال دقائق معدودة وسط أجواء من الذعر المطلق [ref:18].
وتحدثت والدة إحدى المسافرات لوسائل الإعلام عن مكالمة هاتفية عصيبة استمرت ثوانٍ معدودة، قالت فيها ابنتها إن الطائرة تتجه نحو الأسفل بسرعة، وإن أصوات صراخ تنبعث من مقدمة الطائرة، وإن أفراد الطاقم يبدو عليهم الارتباك الشديد [ref:7].
وتكررت هذه الروايات مع عشرات الشهادات الأخرى التي التقطها الركاب في مقاطع فيديو قصيرة تُظهر ممرات الطائرة وبقعاً من الدماء على أرضية القمرة، ورجلين مصابين ممدين على الأرض [ref:9][ref:10].
ماذا حدث داخل قمرة القيادة؟
تشير الروايات الأولية المتقاطعة إلى أن خلافاً حاداً نشب بين طيّاري الطائرة، حولته مصادر مطلعة إلى واقعة عنف مسلح.
وذكر مسؤولان إسرائيليان أن التحقيقات الأولية ترجّح أن مساعد الطيار هو من بادر إلى طعن قائد الطائرة (الكابتن)، في محاولة منه للسيطرة المنفردة على القيادة وتوجيه الطائرة نحو هدف آخر [ref:2][ref:15].
وتقول الرواية الإسرائيلية إن أحد الركاب الإسرائيليين اقتحم قمرة القيادة مع أفراد الطاقم وتدخّل للسيطرة على الجاني، مما حال دون وقوع ما وصفه مسؤول بأنه “كارثة كبرى كان يمكن أن تحدث” [ref:4].
ويستند هذا السيناريو إلى تسجيلات من برج المراقبة تُظهر إرسال الطائرة إشارة “اختطاف” (Hijack Code) في لحظة حرجة، قبل أن يتغيّر المسار نحو الجنوب ليتجه إلى الأراضي السعودية، حيث هبطت الطائرة بسلام في تبوك عند نحو الساعة 9:45 صباحاً بالتوقيت المحلي [ref:11][ref:13].
استنفار أمني واستدعاء للمقاتلات
لم يقتصر الأمر على الجانب الإماراتي أو السعودي، إذ أعلنت إسرائيل حالة استنفار أمني واسعة، مع رفع الطائرة إلى تصنيف “تهديد أمني” قبل هبوطها، وسط تقارير عن إقلاع مقاتلات لاعتراض مسارها ومتابعة الوضع لحظة بلحظة [ref:9].
وبعد الهبوط، نقلت السلطات السعودية الطيارين المصابين إلى المستشفى لتلقّي العلاج، في وقت أعلنت فيه شركة “فلاي دبي” أن جميع الركاب بخير، وأن الحادث كان “حادثاً عرضياً” استدعى الهبوط الاحتراطي، مؤكدة إرسال طائرة بديلة لإعادة الركاب إلى تل أبيب [ref:17].
جدل الروايات: بين الحادث العارض والهجوم الإرهابي
تباينت الروايات حول الدوافع بصورة لافتة.
ففي حين اكتفت “فلاي دبي” بوصف ما جرى بأنه “حادث عرضي” لا علاقة له بأي عمل تخريبي، ذهبت مصادر أمنية إسرائيلية إلى ترجيح فرضية محاولة هجوم إرهابي أو مخطط لاختطاف الطائرة وتحطيمها عن قصد [ref:15][ref:4].
كما نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” رواية أكثر تشويقاً تحدثت عن صراع جسدي بين الطيار ومساعده، وعن محاولة للسيطرة على مقود الطائرة، مع الإشارة إلى احتمال وجود صلة بحوافز شخصية أو مفاجآت أخرى لم تُعلن بعد [ref:20].
وفي المقابل، تشكّك بعض الأوساط في تضخيم روايات الهلع بين الركاب، خاصة أن مسألة الجنسية الإسرائيلية لمعظم المسافرين قد دفعت بعض الجهات إلى إضفاء طابع أمني وسياسي على واقعة قد تكون في جوهرها نزاعاً بين أفراد الطاقم [ref:14].
ما الذي ينتظر الكشف عنه؟
لا تزال التحقيقات جارية بمشاركة سلطات الطيران المدني الإماراتية والسعودية والإسرائيلية، ومن المتوقع أن يكون الصندوق الأسود وتسجيلات قمرة القيادة (CVR) وبيانات الرحلة (FDR) هي الفيصل في تحديد التسلسل الدقيق للأحداث.
كما سيخضع الطياران للتحقيق فور استقرار حالتهما الصحية، وسيُستجوب أفراد الطاقم والركاب الذين عايشوا الحدث عن كثب [ref:1][ref:2].
وتفتح هذه الواقعة نقاشاً أوسع حول إجراءات الأمن في قمرة القيادة، إذ تعيد إلى الأذهان حادثة “جيرمان وينغز” عام 2015، وتطرح تساؤلات جوهرية: كيف يمكن لسلاح أبيض أن يدخل إلى القمرة؟ وما هي بروتوكولات التدخل السريع عند وقوع نزاع بين الطيارين؟ وهل تكفي أقفال الأبواب المقوّاة لمنع تطور الأمر إلى كارثة؟ [ref:6]
خلاصة
تبقى رحلة فلاي دبي FZ1073 حتى هذه اللحظة قصة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين رواية “الحادث العارض” التي تتبنّاها الشركة، ورواية “محاولة الاختطاف والهجوم المنظّم” التي تميل إليها المصادر الإسرائيلية.
لكن ما هو مؤكد أن الركاب الـ150 الذين عاشوا دقائق من الرعب على ارتفاع آلاف الأقدام سيظلون يروون تفاصيل واقعة أثارت جدلاً عالمياً، وأن ملف الأمن الجوي سيُعاد فتحه من جديد بعد أن أنقذت حكمة طاقم الطائرة وركابها أرواحهم في اللحظات الأخيرة.

التعليقات