على مدار أكثر من قرن من الزمان، ظل قطاع صناعة الدواء في مصر يراكم خبراته جيلاً بعد جيل، لينتقل اليوم من مجرد صناعة وليدة إلى ركيزة أساسية ضمن منظومة الأمن الدوائي القومي.
فبعد عقود من الاعتماد الجزئي على المستحضرات المستوردة، أصبح المشهد مختلفاً تماماً؛ إذ باتت المصانع المصرية تمد المواطنين بنسبة تغطية تصل إلى 92% من احتياجات السوق المحلي من الأدوية والمستحضرات الطبية، في إنجاز يعكس حجم الجهد الوطني المبذول على هذا المسار.
ماذا يعني رقم الـ 92% فعلياً؟
الوصول إلى تغطية 92% لا يعني مجرد رقم إحصائي يُذكر في التقارير، بل يعني أن الغالبية العظمى من الأدوية التي يتناولها المريض المصري في الصيدليات والمستشفيات تُنتَج محلياً وفق معايير رقابية صارمة.
ويُترجم هذا الرقم إلى فوائد ملموسة على أكثر من مستوى:.
- على مستوى المريض: توافر مستمر للأدوية دون انتظار سلاسل استيراد طويلة قد تتأثر بأزمات الشحن أو تقلبات أسعار العملات.
- على مستوى السوق: تقليص الفجوة الاستيرادية وتراجع الضغط على الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة.
- على مستوى الاستجابة للأزمات: قدرة أكبر على مواجهة الأوبئة والطوارئ الصحية بتوفير إمدادات محلية لا تتوقف.
استثمارات ضخمة وأساس صناعي متطور
لم يأتِ هذا الإنجاز من فراغ، بل جاء نتاج طفرة حقيقية في البنية التحتية للصناعة الدوائية.
فقد شهدت السنوات الأخيرة ضخ استثمارات كبيرة في تطوير المصانع القائمة وتوسيع خطوط الإنتاج، إلى جانب إنشاء مدن دوائية متكاملة تُدار وفق أحدث المعايير العالمية، بدءاً من مراحل البحث والتطوير وصولاً إلى التصنيع والتغليف وتوزيع المنتج النهائي.
هذا التطور انعكس أيضاً على جودة المنتج المحلي، حيث باتت شركات عديدة قادرة على الحصول على اعتمادات دولية وشهادات جودة تفتح لها أبواب المنافسة خارج الحدود، لا سيما في فئة الأدوية البيولوجية والمستحضرات ذات التقنية العالية التي كانت تُستورد سابقاً بأسعار مرتفعة.
من الاكتفاء المحلي إلى طموح التصدير
مع اشتداد عود الصناعة المحلية، لم تعد الطموحات تتوقف عند سد احتياجات السوق الداخلي، بل امتدت لتشمل تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير الدواء في الشرق الأوسط وقارة إفريقيا.
وتُبنى هذه الرؤية على ثلاثة أعمدة رئيسية:.
- الموقع الجغرافي: بوابة مصر نحو أسواق إفريقيا والشرق الأوسط تمنحها ميزة لوجستية في التصدير واختصار زمن الشحن.
- القاعدة الصناعية: توفر عشرات المصانع المتقدمة وخطوط إنتاج قادرة على تلبية الطلب التصديري بجودة تنافسية.
- الكوادر البشرية: امتلاك مصر لخبرات وطنية متخصصة في الصيدلة والتصنيع الدوائي، وهو ما يترجم إلى فرص عمل جديدة للشباب في هذا القطاع الحيوي.
تحديات على الطريق
ورغم هذا الزخم الإيجابي، يبقى أمام القطاع ملفات تحتاج إلى معالجة لضمان استدامة الإنجاز، من أبرزها: تأمين المواد الخام (المواد الفعالة) التي لا تزال جزء كبير منها يُستورد، وتوطين تصنيعها محلياً، إلى جانب تحديات التسعير التي تحكم قدرة الشركات على الاستمرار في الإنتاج دون خسائر، والمنافسة مع المنتجات المستوردة أو غير المسجلة في السوق.
خلاصة
قصة صناعة الدواء في مصر ليست مجرد حديث عن أرقام، بل هي مسار وطني طويل بدأ منذ أكثر من قرن ووصل اليوم إلى تغطية 92% من احتياجات المواطنين بأيدٍ محلية.
وإذا استمر هذا الزخم في توطين المواد الخام وتوسيع التصدير، فإن الخطوة التالية قد تكون إعلان الاكتفاء الذاتي الفعلي، وتحوّل مصر إلى لاعب رئيسي في خريطة الدواء الإقليمية.

التعليقات