التخطي إلى المحتوى

يشهد المشهد التشريعي في مصر حراكاً متسارعاً نحو تحديث منظومة العدالة، إذ تصدّر ملف «العدالة الناجزة» ومراجعة آليات التقاضي قائمة أولويات الجهات البرلمانية خلال المرحلة الراهنة.

ويأتي هذا التحرك في إطار سعي الدولة إلى مواكبة التحولات الرقمية المتلاحقة، وما تفرضه من إعادة نظر شاملة في البنية الإجرائية والتنظيمية للعمل القضائي.

وفي هذا السياق، كشف مسئول بارز في لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب عن تفاصيل جوهرية تخص مستقبل العمل القضائي بالتزامن مع إقرار التشريعات الجديدة.

خلفية تشريعية: من النص إلى التطبيق

يُعد قانون الإجراءات الجنائية من أقدم وأهم القوانين المنظمة لعلاقة المواطن بمنظومة العدالة الجنائية، وقد ظل العمل به لعقود طويلة رهينة إجراءات ورقية بطيئة تُثقل كاهل المتقاضين والمحاكم على حد سواء.

ويأتي القانون رقم 174 لسنة 2025 ليُشكل محطة فارقة في هذا المسار، إذ يُعيد صياغة عدد من المفاهيم الإجرائية الجوهرية، ومنها تنظيم مدد الحبس الاحتياطي، وضوابط الاستئناف على الأحكام الجنائية، وتوسيع نطاق بدائل الاحتياط، إلى جانب تعزيز ضمانات المتهم وحقوق الدفاع خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.

تطوير المحاكم والنيابات بآليات العصر الرقمي

أوضح اللواء إبراهيم المصري، وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، أن القانون رقم 174 لسنة 2025 يمثل نقلة نوعية كبرى في مسار المنظومة القضائية المصرية.

وأشار إلى أن نجاح تطبيق هذا القانون وتحقيق أهدافه المرجوة في سرعة إنجاز القضايا يتطلب بالضرورة إدخال حزمة متكاملة من التقنيات الحديثة داخل سراي المحاكم والنيابات بمختلف المحافظات.وتتضمن هذه الحزمة — بحسب الاتجاه التشريعي العام — منظومة الميكنة الشاملة لملفات القضايا، وربط النيابات العامة بالجهات الأمنية والمحاكم إلكترونياً، وتفعيل نظام التتبع الإلكتروني لمسار الدعوى من لحظة التسجيل حتى صدور الحكم، فضلاً عن تقنية رقمنة المستندات وتقليل الاعتماد على الأرشيف الورقي.

نحو عدالة ناجزة تخدم المواطن المصري

وأضاف النائب البرلماني أن الاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة ملحة تفرضها التطورات العصرية لتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين والجهات القضائية على حد سواء، مؤكداً أن الدولة تسعى بخطى حثيثة نحو تحقيق العدالة الناجزة وتوفير مناخ تشريعي متطور يحمي حقوق الأفراد ويعزز سيادة القانون.وفي هذا الإطار، تبرز عدة آثار عملية متوقعة:
  • تقليص مدة التقاضي: عبر التسريع في تداول القضايا وجلسات المرافعة إلكترونياً.
  • الشفافية والحد من التدخل البشري: من خلال توثيق كل خطوة إجرائية بشكل رقمي قابل للمراجعة.
  • تقليل تكلفة التقاضي: بخفض الانتقالات ومصاريف المستندات الورقية.
  • تحسين تجربة المتقاضي: عبر خدمات إلكترونية مثل الاستعلام عن القضايا وحجز الجلسات عن بُعد.

تحديات التنفيذ والبنية التحتية

يرتبط نجاح هذا التحول بتوافر بنية تحتية تكنولوجية قوية، الأمر الذي يستوجب استثمارات في تجهيز المحاكم بالأجهزة والأنظمة البرمجية وتدريب الكوادر القضائية والإدارية على التعامل مع الأدوات الرقمية.

كما يستلزم الأمر تشريعات فرعية ولوائح تنفيذية تُنظم التعامل مع الأدلة الإلكترونية وحماية البيانات القضائية وضمان سرية التحقيقات في البيئة الرقمية.

نظرة مستقبلية

لا يقتصر أثر القانون رقم 174 لسنة 2025 على الجانب الإجرائي فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الثقة في المنظومة القضائية ككل، بما يعكس التوجه الأوسع للجمهورية الجديدة نحو تنمية مستدامة تقوم على سيادة القانون وكفاءة المؤسسات.

لكن تحقيق تلك الغايات يبقى مرهوناً بالتنفيذ الفعلي وتجاوز العقبات اللوجستية، ما يجعل ربط التشريع بالتقنية شرطاً أساسياً لا يُستغنى عنه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *