التخطي إلى المحتوى

البنتاجون يعلن إنهاء العمليات العسكرية الميدانية في العراق

في تطوّر وصفه المراقبون بالتاريخي والمفصلي، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) رسمياً إغلاق الفصل الأخير من وجودها العسكري الميداني على الأراضي العراقية، مؤكدة أن القوات الأمريكية أنجزت كافة المهام الموكلة إليها وأن العمليات القتالية وصلت إلى خط النهاية.

ويضع هذا الإعلان حداً لمرحلة استمرت أكثر من عشرين عاماً منذ غزو العراق في عام 2003، ليبدأ معها فصل جديد كلياً في العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، وفي موازين القوى بالشرق الأوسط.

خلفية تاريخية: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟

تعود جذور هذا التواجد إلى عام 2003، حين قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً أطاح بنظام صدام حسين، ثم توالى على العراق سلسلة من الصيغ الأمنية المتغيرة:

  • 2003–2011: مرحلة الاحتلال ثم العمليات القتالية الموسعة، وانتهت رسمياً بانسحاب القوات الأمريكية نهاية 2011.
  • 2014: عودة القوات الأمريكية ضمن تحالف دولي لمحاربة تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب البلاد.
  • 2020: تصاعد المطالب البرلمانية العراقية بجدولة انسحاب القوات الأجنبية، تزامناً مع توترات أمنية حادة في المنطقة.
  • المرحلة الأخيرة: حوارات عسكرية-أمنية بين بغداد وواشنطن أسفرت عن اتفاقات تدريجية لتقليص الحضور الميداني والتحول إلى علاقة شراكة غير قتالية.

قراءة في مضمون الإعلان الرسمي

أكدت الدوائر الرسمية في البنتاجون أن القوات أكملت المهام الموكلة إليها داخل العراق، مشيرة إلى أن ما تبقى من حضور سيكون محصوراً في أدوار استشارية وتدريبية ودعم لوجستي للقوات العراقية عبر قنوات التعاون الثنائي، بعيداً عن أي عمليات قتالية مباشرة.

غير أن هذا التحول يثير تساؤلات واسعة حول:
.

1. شكل التعاون الأمني المستقبلي بين بغداد وواشنطن.

2. كيفية ملء الفراغ الذي قد يتركه تقلص الحضور العسكري في معادلة الأمن الإقليمي.

3. مدى جاهزية القوات العراقية لتحمّل مسؤولية الأمن الذاتي بشكل كامل.

تداعيات القرار على الاستقرار الإقليمي

يأتي هذا التحوّل الاستراتيجي في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة العربية والشرق أوسطية، حيث يترقّب المحللون الانعكاسات المباشرة على الاستقرار الداخلي في العراق وعلى توازنات دول الجوار.

ويمكن إجمال أبرز الأبعاد المتوقعة في:.

  • البُعد الأمني: تغيّر خريطة الانتشار العسكري ونقاط النفوذ في المنطقة، مع احتمال تصاعد تنافس القوى الإقليمية على مساحات التأثير.
  • البُعد السياسي: انتقال العلاقات الثنائية إلى صيغ دبلوماسية واقتصادية جديدة بعيداً عن الصيغ العسكرية التقليدية.
  • البُعد الاقتصادي: إمكانية توجيه موارد العراق نحو مشاريع إعادة الإعمار وتنويع الاقتصاد بعيداً عن منطق الطوارئ الأمنية.
  • البُعد الاستراتيجي: اختبار حقيقي لقدرة العراق على التوازن بين القوى الدولية والإقليمية دون أن يصبح ساحة للصراعات.

مستقبل العلاقات العراقية-الأمريكية

يؤكد مسؤولون في الجانبين أن البلدين يعملان على صياغة أطر جديدة للتعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، تشمل ملفات الطاقة، والتبادل التجاري، والتدريب العسكري، ومكافحة الإرهاب، والاستثمار.

ويطرح الخبراء ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:.

  1. سيناريو الشراكة المستقرة: تحوّل سلس إلى علاقة مدنية-عسكرية استشارية مع حفاظ العراق على أمنه الذاتي.
  2. سيناريو الفجوة الأمنية: فراغ نسبي في بعض المناطق يفتح الباب لعودة نشاط الجماعات المتطرفة.
  3. سيناريو التنافس الإقليمي: تصاعد صراع النفوذ بين القوى المجاورة والقوى الكبرى في غياب التوازن السابق.

خاتمة

إن إعلان البنتاجون إنهاء عملياته العسكرية في العراق يمثّل نقطة تحوّل تاريخية لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين البلدين، بل تمتد لتشمل إعادة رسم خريطة النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط بأكمله.

المرحلة المقبلة تعتمد إلى حد كبير على قدرة العراق على تجميع جهوده الداخلية، وعلى مدى جدية الأطر الجديدة للتعاون الإقليمي والدولي في بناء نظام أمني مستدام يستند إلى التنمية الدبلوماسية والاقتصادية بدلاً من الحلول العسكرية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *