تصدّرت استفسارات المواطنين حول الحدود الشرعية للكذب منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث خلال الفترة الأخيرة، بعد أن تزايد الجدل حول مدى جواز قول غير الحقيقة في بعض المواقف الحرجة التي قد يمر بها الإنسان في حياته اليومية.
وقد تلقّت دار الإفتاء المصرية سؤالاً محورياً بهذا الشأن، ما دفعها إلى توضيح الرأي الفقهي المعتمد وبيان الضوابط الدقيقة التي تحكم هذه المسألة الحساسة.
إجابة رسمية من أمين الفتوى
في إطار جهودها المتواصلة لتبسيط المسائل الفقهية المعاصرة وتوجيه الجمهور نحو الفهم الوسطي المستنير، تصدّى الدكتور أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، للإجابة عن هذا التساؤل الذي يشغل بال كثيرين.
وقد حرص على توضيح الحدود والقيود التي أرساها علماء الشريعة الإسلامية للتعامل مع الظروف الطارئة والمواقف الاستثنائية، مؤكداً أن الفقه الإسلامي لم يترك هذه الحالات دون تنظيم دقيق.
الأصل في الكذب: التحريم القاطع
يقرر جمهور الفقهاء أن الأصل في الشريعة الإسلامية هو تحريم الكذب تحريماً قاطعاً، باعتباره خصلة ذميمة وصفة مكروهة تناقض الفطرة السليمة وتنشر الفساد في العلاقات الإنسانية.
وقد دلّ على هذا الأصل نصوص صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية، منها قوله تعالى: «إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار».
الحالات المستثناة وضوابط الضرورة
استثنى الفقهاء من قاعدة التحريم العامة حالات محدودة تُبيح للرجل أو المرأة قول غير الحقيقة، بشرط أن يكون الهدف دفع ضرر بالغ أو جلب مصلحة كبرى لا سبيل إلى تحقيقها إلا بهذا الطريق.
ومن أبرز هذه الحالات:.
- الإصلاح بين المتخاصمين: فقد أجاز الشرع نقل كلام طيب بين طرفي نزاع بهدف رأب الصدع وإعادة العلاقات.
- الكذب في الحرب: وهو ما يُعرف بالتورية والمخادعة تجاه العدو، إذ إن الحرب خدعة كما ورد في الأثر.
- استرضاء الزوجين: حيث يُباح التلطّف بقول ما يحفظ المودة ويصلح شأن الأسرة.
- إنقاذ المظلوم أو المضطهد: كحماية شخص من ظلم بيّن بإخفاء معلومة عنه أو تقديم معلومة مغايرة للظالم.
قاعدة الضرورة تُقدَّر بقدرها
شدّد العلماء على أن الرخصة في هذه الأحوال ليست مفتوحة على مصراعيها، بل تخضع لقاعدة «الضرورة تُقدَّر بقدرها»، فلا يُتوسع في استخدامها لأغراض شخصية أو منافع دنيوية، ولا يجوز تحويلها إلى عادة أو سلوك دائم.
كما يجب أن يتحقق الشرط الجوهري، وهو تعذّر الوصول إلى الغرض المشروع بأي وسيلة صادقة بديلة، بالإضافة إلى انتفاء الضرر الأكبر الذي قد ينتج عن قول الصدق.
الكذب المطلق: استثناءات أعظم
يؤكد الفقهاء أن الكذب المباح في حالات الضرورة لا يعد كذباً محرماً بالمعنى الأصلي، بل هو من باب الترخيص الشرعي وفق قواعد المصلحة والمفسدة، وقد راعى التشريع الإسلامي واقعية الإنسان وحاجاته في المواقف الحرجة دون أن يفتح باب التساهل.
لذلك يبقى الأصل هو الصدق، والاستثناء ضيق النطاق ومحدد الغرض، ويظل التحلي بالصراحة والأمانة هو سبيل النجاة وسلامة المجتمع.
ويُذكّر دعاة الفتوى بأن الصدق فضيلة عظيمة تكسب صاحبها مكانة عالية في الدنيا والآخرة، وأن الصدوق يكتب عند الله صديقاً، وأن المسلم مطالب بتحرّي الصدق في كل أحواله إلا في مواضع الضرورة المحددة التي ضبطها الفقهاء بدقة، وبيّنوا أن من طرقها التورية وهي استخدام كلام يُفهَم منه غير المقصود مع بقاء الحقيقة صحيحة، مما يعد علاجاً آمناً لكثير من المواقف دون الوقوع في حرج الكذب الصريح.

التعليقات