التخطي إلى المحتوى

يحتل تمكين المرأة مكانة محورية في المشروع التنموي والاستراتيجي للمملكة المغربية بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، إذ لم يكن هذا التوجه مجرد خطاب سياسي عابر، بل تحول إلى اختيار استراتيجي راسخ يضع المرأة في قلب مسار بناء الدولة الحديثة.

فمنذ توليه العرش، عمل الملك على تكريس مبدأ إدماج المرأة في مختلف مجالات التنمية، واعتبار تقلدها لمناصب المسؤولية العليا شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية الشاملة وترسيخ أسس دولة الحق والقانون والمجتمع الديمقراطي الحداثي.وتتجلى هذه الرؤية الملكية في إصلاحات هيكلية عميقة أسست لمسار متواصل من التمكين، انطلاقاً من إصلاح مدونة الأسرة التي شكلت منعطفاً نوعياً في تحسين وضعية المرأة المغربية، مروراً بتعزيز حضورها في المؤسسات المنتخبة عبر نظام الكوطا في الانتخابات التشريعية والجهوية، ووصولاً إلى تكريس مبدأ المناصفة في الدستور المغربي لسنة 2011، الذي نص صراحة على التزام الدولة بتحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وإنشاء هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.وفي هذا السياق، شهدت الحكومات المغربية المتعاقبة تعيين عدد مهم من النساء في مناصب وزارية ومسؤوليات عمومية عليا، حيث كفلت الرؤية الملكية للمرأة تقلد مواقع بارزة وغير مسبوقة.

فسبق للراحلة زليخة نصري أن شغلت منصب أول امرأة مستشارة لجلالة الملك، كما تتولى زينب العدوي رئاسة المجلس الأعلى للحسابات كواحدة من أبرز المؤسسات الدستورية في المملكة، بينما تدير أمينة بنخضرا المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، بما يعكس بوضوح حضور الكفاءات النسائية في القطاعات الاستراتيجية والدقيقة.وتُعد هذه النماذج امتداداً لسلسلة طويلة من النساء المغربيات اللواتي أوصلتهن كفاءتهن إلى مواقع قيادية في مجالات متنوعة، من بينها حكومة، وقضاء، ودبلوماسية، واقتصاد، وأمن، وإعلام، مما يكرس واقعاً مؤسساتياً جديداً يعتمد على الجدارة والاستحقاق بدل النوع الاجتماعي.وبناءً على هذه الرؤية الملكية، يظل الفيصل في التعيين وتحمل المسؤولية هو الكفاءة والاستحقاق والقدرة على الإنجاز، وليس الجنس.

ومن هذا المنطلق، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري في منصب رئيسة الحكومة المغربية لا يشكل حدثاً معزولاً أو سابقة طارئة، وإنما يندرج ضمن توجه ملكي راسخ يهدف إلى تمكين المرأة من تولي أعلى المسؤوليات.

ويعتبر هذا التعيين امتداداً طبيعياً لمسار مؤسساتي متواصل سبق أن أتاح لعدد من النساء المغربيات الوصول إلى مواقع قيادية مؤثرة وتجسيد تطلعات المغرب الحديث.ويرى متتبعون للشأن المغربي أن هذا المسار يعكس إرادة ملكية متواصلة لتعزيز مشاركة المرأة في تدبير الشأن العام وصنع القرار، ويتقاطع مع الاستحقاقات الدولية التي التزمت بها المملكة، ومنها أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف الخامس المتعلق بتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات.غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، يبقى في نظر خبراء وباحثين مرتبطاً بتحديات ميدانية تتعلق بتقليص الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية، وخاصة في مجالات المشاركة الاقتصادية، والولوج إلى سوق الشغل، وتقلد مناصب القرار في القطاع الخاص، ومكافحة العنف ضد النساء.

وفي هذا الإطار، تبقى مسألة ترسيخ ثقافة المناصفة والمساواة رهينة بجهود متكاملة تشمل التعليم والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات.وعليه، يمكن القول إن تجربة المغرب في تمكين المرأة تشكل نموذجاً يعكس التقاطع بين الإرادة السياسية العليا، والإصلاحات المؤسساتية، والدينامية المجتمعية، مما يمنح هذا المسار بعداً استراتيجياً يهدف إلى بناء مجتمع متوازن ومنصف يستفيد من كفاءات جميع أبنائه وبناته دون تمييز.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *