التخطي إلى المحتوى

أيوب محمد يحيى: رائد البريد المصري من قلب الوادي الجديد

بقلم | محمود عبد ربه أحمد

لا يرتبط تكريم الشخصيات المؤثرة بقيود الزمن، ولا يُشترط أن يتحقق في حياتها؛ فبعض السير تمتد بعد الرحيل، وتتحول الأعمال إلى شواهد خالدة، وتصبح الذكرى جزءًا أصيلًا من ذاكرة المكان.

ومن هذا النوع من الرجال، نقف اليوم أمام سيرة شخصية واحاتية أصيلة، من قيادات محافظة الوادي الجديد، وأول مدير للبريد المصري من أبناء مدينة الخارجة، إنه الأستاذ أيوب محمد يحيى محمد سعيد أيوب، ابن عمر عبد الرحيم حسان عبدالله أبوالنصر محمد عبدالرحيم الركابي الخزرجي الأنصاري.

ارتبطت مسيرته بمرحلة مفصلية من مراحل نشأة البريد وانتشاره في ربوع المحافظة، إذ كان أول من تولى إدارة المنطقة البريدية بالوادي الجديد من أبناء المحافظة، بعد أن قطعت الإدارة البريدية خطوات متتالية نحو الاستقلال الإداري عن سوهاج وأسيوط.

النشأة والجذور العريقة

وُلد الأستاذ أيوب محمد يحيى في التاسع من نوفمبر عام 1923م، في أسرة عريقة، وكان والده المرحوم محمد يحيى يعمل بهيئة البريد في القاهرة، فنشأ الابن قريبًا من أجواء العمل والانضباط، ثم واصل مسيرته في المجال ذاته ليكتب صفحة جديدة في التاريخ الإداري للبريد بالوادي الجديد.

وقد بدأت رحلة كفاحه مبكرًا في إقليم صحراوي مترامي الأطراف، حيث كانت المسافات شاسعة، ووسائل الانتقال محدودة، والوصول إلى القرى المتباعدة يمثل تحدياً حقيقياً لكل العاملين في المجال الحكومي آنذاك.

المسيرة الوظيفية والعلمية

في منتصف أربعينيات القرن العشرين، بدأ الأستاذ أيوب رحلته موظفاً بمكتب بريد الخارجة، وسرعان ما أثبت كفاءته حتى أُسندت إليه إدارة مكتب بريد الخارجة بشارع البوسطة القديمة بميدان الشعلة، حيث تولى العمل وكيلاً للمكتب عام 1950م.

ولم يتوقف اهتمامه عند حدود الخبرة العملية، بل حرص على تطوير نفسه علمياً؛ فقد التحق بالمعهد العالي العربي للبريد بالقاهرة وحصل على درجة البكالوريوس عام 1964م، وكان من بين المتميزين الذين نالوا إجازة الدراسات العليا من جامعة القاهرة عام 1968م، مفضلاً إياها على منحة خارجية للدراسات العليا بدولة سوريا.

ولكفاءته العلمية والعملية أُسندت إليه مهمة إلقاء المحاضرات بالمعهد العالي للبريد بالقاهرة.

المسؤوليات ومشواره في العمل

شهدت الإدارة البريدية بالوادي الجديد في النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة تطور مهمة؛ ففي 26 أغسطس 1962م افتُتح قسم بريد الوادي الجديد التابع لمنطقة بريد أسيوط، نظراً للتوسع في انتشار المكاتب الأهلية، وأُسندت أعماله تباعاً إلى الأستاذ شفيق بولس القمص، ثم الأستاذ دانيال يوسف، ثم الأستاذ حمدي عبد الرحمن عباس حتى نهاية عام 1973م.

وفي مطلع عام 1974م كُلّف الأستاذ أيوب محمد يحيى بالعمل مساعداً لمدير المنطقة البريدية، لتبدأ مرحلة قيادية جديدة، حيث تولى بعد استقلال البريد بالوادي الجديد إدارياً عن أسيوط مسؤولية إدارة المنطقة البريدية بالمحافظة، وظل في موقعه حتى عام 1983م، وهو العام الذي بلغ فيه سن المعاش.

وخلال تلك السنوات شهدت المحافظة توسعاً ملحوظاً في انتشار المكاتب البريدية الحكومية عبر افتتاح مكاتب جديدة وتحويل عدد من المكاتب الأهلية إلى حكومية، إذ تشير البيانات إلى أن عدد المكاتب التي افتُتحت أو حُوّلت في عهده بلغ 14 مكتباً بريدياً حكومياً، هي: بريد باريس، وبريد الخارجة بلد، وبريد بولاق، وبريد ناصر الثورة، وبريد المنيرة بمركز الخارجة؛ وبريد بلاط، وبريد الجديدة، وبريد القصر، وبريد الراشدة، وبريد المعصرة، وبريد القلمون، وبريد غرب الموهوب، وبريد الهنداو بمركز الداخلة؛ ومكتب بريد الفرافرة بمركز الفرافرة.

ولم يقتصر التوسع على افتتاح المكاتب، بل امتد إلى بناء الهيكل الإداري للبريد داخل المحافظة، مع نقل مزيد من الأعمال الإدارية من أسيوط إلى الوادي الجديد، وإنشاء أقسام لشؤون العاملين والتفتيش والنقل والحركة، لتتجه المنطقة تدريجياً نحو امتلاك جهاز إداري بريدي أكثر تكاملاً واستقلالاً، وقادر على متابعة احتياجات المكاتب والعاملين والمواطنين داخل المحافظة.

أثره المجتمعي وثقافة الادخار

عُرف الأستاذ أيوب بأسلوبه الهادئ والراقي في التعامل مع المواطنين وحل مشكلاتهم دون صخب، مع حرصه على إنجاز الأعمال على أكمل وجه، وهو ما زاد من ثقة الأهالي في مكاتب البريد.

ويُرجع له الفضل في نشر ثقافة الادخار بين المواطنين، حتى أصبح مكتبه قبلة للأهالي من مختلف الأعمار: شباباً وسيدات وشيوخاً، كما كان له دور بارز في تشجيع الأهالي على فتح دفاتر توفير للمواليد والطلبة.

الأسرة والامتداد الاجتماعي

كانت زوجته الحاجة هدية نجاتي هنادى حسن، نجلة عمدة الإقليم آنذاك الحاج نجاتي هنادى حسن (آخر عمدة لمدينة الخارجة)، داعماً قوياً له ليتفرغ لدراساته العليا وعمله الجاد وحل مشكلات المواطنين، فضلاً عن السفر الدائم لمتابعة العمل البريدي في كل قرى ومدن المحافظة المترامية الأطراف، حيث تشكل مساحة الوادي الجديد نحو 44% من المساحة الكلية لمصر، وحوالي 66% من مساحة الصحراء الغربية.

ولم تتوقف بصمته عند حدود العمل الوظيفي، بل امتدت إلى أسرته وأبنائه الذين واصلوا مسيرته في مجالات متعددة من العمل العام والمجتمعي، فقد أنجب خمسة أبناء هم:

  • الأستاذة سامية أيوب، مدير عام بناء وتنمية القرية بالمحافظة سابقاً (بالمعاش).
  • الأستاذ محمد أيوب، وكيل وزارة بالجهاز المركزي للمحاسبات (بالمعاش).
  • الأستاذة آمال أيوب، نائب رئيس تحرير بجريدة الأخبار المسائي بمؤسسة أخبار اليوم (بالمعاش).
  • النائب المهندس أحمد أيوب، عضو مجلس الشيوخ.
  • الأستاذ حمدي أيوب، معلم كبير للغة العربية بمديرية التربية والتعليم بالمحافظة.

الرحيل والإرث الخالد

في 29 ديسمبر 2009م، رحل الأستاذ أيوب محمد يحيى عن عمر ناهز 86 عاماً، بعد رحلة طويلة من الكفاح والعطاء في خدمة البريد وأبناء محافظته.

وكان كما يُروى عنه يتسم بالهدوء والحكمة في الإدارة، مع حرصه على تحقيق هدفه في نشر المكاتب البريدية في ربوع المحافظة، حاملاً انتماءً كبيراً للعمل والعاملين وللمحافظة وأهلها، ومحباً للخير وخدمة الناس.

إن التكريم الحقيقي لهذا الجيل المكافح والمخلص هو حق وواجب علينا جميعاً؛ جيلٌ ترك أثراً بقي شاهداً عليه بعد رحيله.

فقد كان الأستاذ أيوب محمد يحيى واحداً من رجال المرحلة التي شهدت انتشار البريد في ربوع الوادي الجديد، وأسهم بخبرته وجهده في بناء وتطوير منظومته، فاستحق أن تبقى سيرته جزءاً من ذاكرة المحافظة وتاريخ مؤسساتها، وشاهداً على الجهود المبذولة من هيئة البريد في خدمة الوطن والمواطن.

رحم الله الأستاذ أيوب محمد يحيى، وجزاه عن عمله وخدمته لأبناء بلده خير الجزاء، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.

إعداد: محمود عبد ربه أحمد – باحث في الثقافة التراثية بواحات الوادي الجديد

أهم المصادر:

  • النائب المهندس سعد نجاتي، عضو مجلس الشعب سابقاً.
  • الأستاذة سامية أيوب محمد يحيى، مدير عام بناء وتنمية القرية بالمحافظة سابقاً.
  • أرشيف السجلات البريدية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *