التخطي إلى المحتوى

تصدّرت الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات اهتمامات رواد منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث في مصر خلال الساعات الأخيرة، بعد تزايد التساؤلات حول مصير الصلوات التي تركها المسلمون خلال مراحل المراهقة والشباب أو على مدار سنوات طويلة من حياتهم.

وقد تصدت دار الإفتاء المصرية لهذه التساؤلات بإجابات مفصّلة ترفع الحرج عن السائلين وترسم لهم مساراً عملياً واضحاً نحو التوبة والتعويض.

حكم ترك الصلاة في الصغر والشباب

أوضحت الدار أن المسلم البالغ المكلّف شرعاً ملزم بأداء الصلوات الخمس في مواقيتها المحددة، غير أن ظروف الحياة أو الغفلة قد تدفع البعض إلى هجر الصلاة لفترات ممتدة خلال مرحلة المراهقة أو مطلع الشباب.

وأكد أمناء الفتوى أن باب التوبة يظل مفتوحاً على مصراعيه أمام العبد ما لم تبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها، مستشهدين بقوله تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا».

أركان التوبة من ترك الصلاة

شدّدت الفتوى على أن التوبة الصحيحة تتكون من ثلاثة أركان أساسية:

  • الندم الصادق على ما مضى من تفريط في حق الله.
  • الإقلاع الفوري عن ترك الصلاة والانتظام في أدائها.
  • العزم الصادق على عدم العودة إلى هذا الذنب مستقبلاً.

ويضاف إلى ذلك البدء في تعويض ما فات وفق خطة منتظمة لا تُحمّل النفس ما لا تطيق.

الطريقة الصحيحة لحساب الصلوات الفائتة

أوضحت الفتوى الطريقة العملية لحساب الصلوات المتراكمة منذ بلوغ سن التكليف، وهي كالتالي:

  1. يجتهد المسلم في تقدير المدة التي هجر فيها الصلاة بالأشهر أو السنوات بحسب ما يغلب على ظنه.
  2. يحسب عدد الصلوات المفروضة في تلك الفترة على أساس خمس صلوات يومياً.
  3. يشرع في قضائها تدريجياً دون إفراط يسبّب الملل ولا تفريط يطيل أمد القضاء.

طريقة «الصلوات العمرية»

لتسهيل المهمة على التائبين، أشارت الفتوى إلى أسلوب يُعرف بـ«الصلوات العمرية»، وهو قضاء صلاة فائتة مع كل صلاة حاضرة؛ فيصلّي المسلم صلاة ظهر فائتة قبل أو بعد صلاة الظهر الحالية، وهكذا مع العصر والمغرب والعشاء والفجر.

ويستمر على هذه العادة حتى يغلب على ظنه براءة ذمته من كافة الفوائت الثابتة عليه منذ البلوغ وحتى التزامه بأداء الفروض في مواقيتها.

نصائح عملية لقضاء الفوائت

يُنصح من أراد القضاء بما يلي:

  • المواظبة على القضاء دون تشدد أو وسواس، فالشريعة مبنية على التيسير.
  • مراعاة صحة القضاء في أي وقت، فالصلاة الفائتة تُقضى في أي ساعة من ليل أو نهار.
  • تخصيص دفتر لمتابعة عدد الصلوات المقضية لتنظيم الخطة.
  • عدم الانقطاع عن القضاء عند حلول رمضان، مع إمكانية الجمع بين قضاء الفوائت والصلوات الحاضرة.
  • الاهتمام بأداء الصلوات الحاضرة أولاً في وقتها لمنع تكرار التفريط.

آراء الفقهاء في قضاء الفوائت

تعددت آراء المذاهب الفقهية في مسألة قضاء الصلوات الفائتة:

  • جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة): يوجبون قضاء كل صلاة متروكة عمداً، لأنها حق لله ثابت في الذمة لا يسقط إلا بأدائه.
  • الحنفية: يرون وجوب القضاء مطلقاً مع الإثم الشديد في الترك العمدي.
  • بعض المعاصرين: يذهبون إلى التخفيف في حال كثرة الفوائت مع الاجتهاد في الاستغفار وأداء ما يمكن، مراعاة لمبدأ رفع الحرج.

أثر المداومة على القضاء

يؤكد العلماء أن الالتزام بقضاء الفوائت يبعث في النفس الشعور بالمسؤولية، ويجعل العبد أكثر حرصاً على أداء الصلوات الحاضرة في وقتها، كما أنه سبب للتقرب إلى الله عز وجل ومحو الأثر الذي خلّفه التفريط في حق العبادة.

والمسلم مطالب بالعمل بالسبب وترك النتيجة على الله، فالقبول بيد الله وحده، وأما العبد فوظيفته الاجتهاد والمداومة.

ويبقى القرآن الكريم خير دافع للاستمرار، إذ يقول الله تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»، وفي ذلك تذكير دائم بأن الرجوع إلى الله ممكن ما دام في العمر فسحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *