يحرص المسلمون على التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بمختلف الأعمال الصالحة، لا سيما خلال أداء الصلوات المفروضة والنوافل، وتُعد لحظة السجود من أرجى اللحظات التي يكون فيها العبد أقرب إلى ربه، إذ ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول الأقوال والأدعية المستحبة في هذا الركن العظيم، وعلى رأسها حكم الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم أثناء السجود.
رأي دار الإفتاء المصرية في الصلاة على النبي أثناء السجود
في إطار توضيح الأمور الفقهية للجمهور، كشف الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن الحكم الشرعي لهذه المسألة التي تهم قطاعاً عريضاً من المصلين.
وأكد سيادته أن الصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تُعتبر في جوهرها نوعاً من أنواع الدعاء العظيم الذي يُثاب عليه المسلم ويؤجر عليه بالحسنات، نظراً لمكانتها العالية وفضلها الثابت في السنة النبوية المطهرة، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى عليّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً».
وأوضح أمين الفتوى أن الصلاة على النبي في السجود جائزة شرعاً ولا حرج فيها، بل هي من أفضل الأذكار وأجلّها، شريطة ألا يعتقد المصلي أنها من الأركان أو الواجبات التي تبطل الصلاة بتركها، لأنها في هذه الحالة تُعد ذكراً ودعاءً مستحباً وليست ركناً مفروضاً.
الفرق بين أدعية السجود والأذكار المطلقة
وأضاف الشيخ أحمد ممدوح، خلال رده على الاستفسارات الدينية، أن العبد مأمور بالإكثار من الصلاة والسلام على النبي في أوقات متفرقة، إلا أن العلماء وضعوا ضوابط وأحكاماً تتعلق بأركان الصلاة وهيئاتها لضمان صحتها وقبولها وفقاً للمذاهب الفقهية المعتمدة، مما يتطلب من المصلي معرفة الفوارق بين الأدعية المشروعة داخل الصلاة وتلك التي تخص الأذكار المطلقة خارجها، لضمان أداء العبادة على الوجه الأكمل والأصح شرعاً.
فأدعية السجود في الصلاة ينبغي أن تكون بصيغة الطلب والسؤال والتضرع إلى الله، كقول: «سبحان ربي الأعلى» و«اللهم اغفر لي» و«ربِّ اغفر لي وارحمني واهدني»، بينما الأذكار المطلقة كالصلاة على النبي والتسبيح والتحميد والتهليل فيجوز الإتيان بها في السجود على سبيل الاستحباب، بشرط عدم الإخلال بهيئة الصلاة أو تحويلها إلى مجلس ذكر خارج الصلاة.
أفضل الصيغ والأوقات المستحبة للذكر في الصلاة
من أفضل الصيغ الواردة في السجود ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «سبحان ربي الأعلى» ثلاثاً، وقوله: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»، كما ورد الدعاء بقوله: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره».
ويستحب للمصلي أن يكثر من الدعاء في سجوده لما فيه من قربة وطاعة، خاصة في صلاة النوافل وقيام الليل، إذ يكون العبد أكثر خشوعاً وانكساراً بين يدي ربه، ومن الأوقات التي يُستحب فيها الإكثار من الصلاة على النبي: يوم الجمعة وليلتها، وعند ذكره صلى الله عليه وسلم، وفي مجالس العلم والدعاء.
أقوال الفقهاء في حكم الصلاة على النبي في السجود
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في السجود، بل استحبابها لما فيها من الفضل العظيم، ولم يرد نص صريح يمنعها، وما ذُكر من كراهة عند بعض المالكية محمول على المعتاد من هيئة السجود أو على قصد التشريع بأركان جديدة، لا على مجرد الذكر والدعاء.
وقد نصّ الفقهاء على أن الصلاة على النبي في السجود من قبيل الدعاء المستحب، لأن المصلي يدعو ربه بأحب الخلق إليه، وهذا من آكد ما يُرجى إجابته وقبوله، ويجوز للمصلي أن يُصلي على النبي في السجود والركوع والقيام والجلوس، لأن الصلاة عليه مشروعة في كل أحوال العبد.
خلاصة الحكم الشرعي
يمكن إجمال الحكم الشرعي في أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في السجود:
- جائزة شرعاً بإجماع جمهور الفقهاء.
- من أفضل الأذكار وأجلّها لما فيها من أجر عظيم.
- غير واجبة ولا ركن، فلا تبطل الصلاة بتركها.
- تُستحب في النوافل والفرائض على حد سواء.
- يُشترط عدم اعتقاد وجوبها أو فرضيتها.
وعليه، فالمسلم مطمئن البال إذا حرص على الصلاة والسلام على النبي في سجوده، فهو بين أداء عمل مستحب وذكر عظيم يرجى ثوابه من الله تعالى، مع الالتزام بضبط العبادة وعدم إدخال ما ليس منها أو تحويل الصلاة إلى غير ما شرعت له.

التعليقات